الشيخ محمد رشيد رضا

433

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نجاة أهل الكتاب منوطا بأمانيهم في دينهم ، فان الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي ، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام ، بل شرعت للعمل ( قال ) والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح لأن قوله تعالى « يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ » في الآيات التي قبلها يدخل فيه الامانيّ التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورا بدينهم إذ كانوا يرون انهم شعب اللّه الخاص ويقولون انهم أبناء اللّه واحباؤه وانه لن تمسهم النار الا أياما معدودة ، وانه لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى ، وغير ذلك مما يقولون ويدعون ، وانما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات ، وزعمهم ان فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم ، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا باعمالهم ، فخذرنا اللّه ان نكون مثلهم ، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل قوله تعالى في سورة الحديد « أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ » الآية فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الايمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان واللّه عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول اليه امرهم بعد ذلك ، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها . وقد روي حديث عن الحسن « ليس الايمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل » وقال الحسن : ان قوما غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملوءون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل . ثم ذكر الأستاذ الامام بعد هذا حال مسلمي هذا العصر في غرورهم وأمانيهم ومدح دينهم وتركهم العمل به وبين أصنافهم في ذلك . ومما قاله : ان كثيرا من الناس يقولون تبعا لمن قبلهم في أزمنة مضت : ان الاسلام أفضل الأديان ، ايّ دين أصلح إصلاحه ؟ اي دين ارشد إرشاده ؟ اي شرع كشرعه في كماله ؟ ولو « تفسير النساء » / « 55 خامس » / « س 4 ج 5 »