الشيخ محمد رشيد رضا

411

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النقض بل يكفي أن يظهر للمرء أن هذا هو الهدى أو أنه أهدى من مقابله إذا كان هناك مقابل . وسبب هذا ومنشؤه أن الانسان فطر على حب نفسه وحب الخير والسعادة لها والسعي إلى ذلك واتقاء ما ينافيه ويحول دونه لذلك كانت شريعة الاسلام التي هي دين الفطرة مبنية على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح فكل ما حرم فيها على الناس فهو ضارّ بهم وكل ما فرض عليهم أو استحب لهم فيها فهو نافع لهم ، ولهذا كان غير معقول أن يتركها أحد بعد أن يعرفها وتتبين له وكان إن وقع لا بد له من سبب ، وهو ما أشار اليه القرآن الحكيم في قوله تعالى ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ؟ ) أي لا أحد يرغب عنها الا من احتقر نفسه وازراها بالسفه والجهالة . ونحن نبين أصناف الناس في اتباع الهدى وتركه وسبب ذلك فنقول ( الصنف الأول ) من تبين له الهدى بالبرهان الصحيح ، ووصل فيه إلى حق اليقين ، وهذا لا يمكن ان يرجع عنه اعتقادا ، ويندر جدا أن يرجع عنه عملا ، وللأستاذ الامام كلمة كبيرة في هذا المقام لا يقولها الا مثله من الاعلام ، وهي « الرجوع عن الحق بعد اليقين فيه كاليقين في الحق كلاهما قليل في الناس » وهو يعني الرجوع بالعمل إذ الانسان يملك من عمله ما لا يملك من اعتقاده فمن كان موقنا بأن المخلوق لا يكون إلها ولا شريكا للّه يؤثر في ارادته ويحمله على فعل ما لم يكن ليفعله لولاه - لا يستطيع بعد اليقين الحقيقي في ذلك ان يعتقد ان المسيح أو غيره ممن عبد ومما عبد من دون اللّه أو مع اللّه آلهة أو شركاء للّه ، ولكنه يستطيع ويدخل في إمكانه ان يدعوها من دون اللّه أو مع اللّه ، وان يعبدها بغير الدعاء أيضا كالتمسح بها والتعظيم الذي يعده أهلها من شعائر العبادات ، لا من عموم العبادات ، وهو وان كان يستطيع ما أشرنا اليه من عباداتها لا يفعله ، أي لا يرجع عن الحق بالعمل ، الا ان يكون لما أشرنا اليه من السبب ، وسنبينه بعد ، ( الصنف الثاني ) من تبين لهم الهدى بالدلائل المعتادة التي يرجح بها بعض الأشياء على بعض بحسب أفهامهم وعقولهم ، لا بالبرهان المنطقي المؤلف من اليقينيات البديهية أو المنتهية إليها ، وهؤلاء لا يرجعون عن الهدى إلى الضلال وهم يعلمون أنه