الشيخ محمد رشيد رضا

409

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تنفقه فيما هو أنفع لها تكون بهذه السرقة وهذه الخيانة معتصما بعروة الفضيلة . قال نعم . قلت وإذا قدر رجل على أن يخون آخر في عرضه ويزني بامرأته معتقدا انه لا ضرر في ذلك على الهيئة الاجتماعية لأنه في الخفاء فلا يثير نزاعا ولا خصاما فلا ينافي الفضيلة ، أو أنه ربما ينفع الهيئة الاجتماعية بإيلادها ولدا يرث من ذكائه ما يكون به خبرا ممن تلدهم تلك المرأة من زوجها الشرعي ، أو بما هو أوضح من هذا عنده كأن تكون تلك المرأة لا تلد من ذلك الرجل - فهل يكون هذا العمل من مقومات الفضيلة المحدودة بما ذكرتم ؟ قال نعم كل من هذا وذاك يعد من الفضيلة في الواقع ونفس الامر إذا كان اعتقاد الفاعل بنفعه للهيئة الاجتماعية صحيحا ، وان كان القانون لا يجيز الحكم له بحسب اعتقاده إذا ظهر الامر ورفع إلى القاضي ! ! أقول وقس على السرقة والخيانة والفاحشة جميع الرذائل حتى القتل فإنها يمكن أن تعد من الفضائل على ذلك التعريف إذا ظن فاعلها انه ينفع الهيئة الاجتماعية كأن يقتل من يرى هو في سياسته أو اعتقاده أو عمله ضررا وان كان المقتول يرى ذلك نافعا ، فهذا المذهب الجديد في الفلسفة العملية هو شر مذهب أخرج للناس ، فان الرذائل فيه قد تسمى عقائل الفضائل ، والمفاسد تعد فيه من أنفع المصالح ، والحاكم في ذلك هو الهوى . ولولا افتتان ضعفاء النفوس ببعض من يقولون به لما استحق أن يحكى . وكان للفلاسفة الأولين مذاهب في الفضيلة معقولة ، وآراء صحيحة ، وقد أنطقهم اللّه تعالى بكثير من الحكم ، ولكن ثمرات عقولهم لم تكن دانية القطوف ، يجنيها القوي والضعيف ، ولم يكن لها ما لهداية الوحي من السلطان على القلوب والأرواح ، والتأثير السريع في إصلاح شؤون الاجتماع ، فمن ثم كان الدين انفع من الفلسفة للناس وليس عندي شيء عن الأستاذ الامام في تفسير هذه الآية الا ما أسندته اليه في أول الكلام عليها ، وقوله في تفسير ابتغاء مرضاة اللّه إنها إنما تطلب بالاخلاص ، وعدم إرادة السمعة والرياء كما يفعل المتفاخرون من الأغنياء : تصدقنا أعطينا منحنا عملنا وعملنا - فهؤلاء انما يبتغون الربح بما يبذلون أو يعملون لا مرضاة اللّه تعالى ، ولذلك يشق « تفسير النساء » / « 53 خامس » / « س 4 ج 5 »