الشيخ محمد رشيد رضا

407

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والتحدث به في الملإ شر كبير ، وضرر مستطير ، فينقلب الاصلاح المطلوب افسادا ، وهذا مما لا يكاد يخفى على أحد عاش بين الناس واختبر أحوالهم فيما يكون بينهم من الخصام والشقاق والتنازع والصلح والتراضي بسعي محبي الاصلاح . فان منهم من إذا علم أن ما يطالب به من الصلح كان بأمر زيد من الناس ، لا يستجيب ولا يقبل ، ومنهم من يصده عن الرضا بذلك ذكره بين الناس وعلمهم بأنه كان بسعي وتواطؤ ، ومنهم من يشترط ان يكون خصمه هو الذي طلب مصالحته ، ومنهم من يشترط ان يظن الناس ذلك ، والجهر بالحديث في ذلك قد يبطل ذلك . فالاصلاح بين الناس يحتاج فيه إلى الكتمان وان يكون الامر به والسعي اليه بين من يتعاونون عليه بالنجوى فيما بينهم ، لو أطلق القول في الكتاب بأن كثيرا من النجوى لا خير فيه ولم يستثن من ذلك شيء لذهب اجتهاد كثير من المتورعين إلى أن هذه الأمور من ذلك الكثير فيتركون النجوى بها خوفا من الوقوع فيما لا خير فيه ، وحينئذ إما ان يرجحوا الجهر بالامر بها فيفوت الغرض المقصود منها ، ولو في بعض دون بعض ، وإما ان يرجحوا ترك الامر بها البتة ، لئلا يترتب على النفع المقصود من الصدقة الضرر ، وتأخذ من يؤمر بالمعروف العزة بالإثم ، ويتحول إصلاح ذات البين إلى إفساد . فهذا ما ظهر لي الآن في المسألة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً بغى الشيء طلبه بالفعل وابتغاه أبلغ من بغاه في الدلالة على الطلب لأنه يدل على الاجتهاد فيه والاعتمال له ، وانما تنال مرضاة اللّه تعالى بالشيء إذا فعل على الوجه الذي يحصل به الخير ويتم به النفع الذي شرع لأجله ، ويكون الفاعل له مظهرا لرحمته تعالى وحكمته ، مع تذكر هذا عند العمل والشعور به ، وبهذا القيد يكون المؤمن أرقى من الفيلسوف في عمله ، وابعد عن الغرور والدعوى فيه ، وأرسخ قدما في الاخلاص ، وتحري نفع الناس ، والثبات على ذلك وعدم مزاحمة الأهواء الشخصية له وترجيحها عليه ، ذلك بأن الفلاسفة - وأخص منهم فلاسفة هذا الزمان - يقولون إن الخير والفضيلة والكمال في الانسانية هو أن يفعل الانسان الخير لأنه خير نافع للهيأة