الشيخ محمد رشيد رضا

405

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نجواهم ظاهر ، ولكننا نرى الكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر مطلقا ولذلك خاطب المؤمنين بقوله في سورة المجادلة ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) وهذا بعد ان بين ان بعض الناس نهوا عن النجوى ثم هم يعودون إليها ، وهم اليهود والمنافقون . والحكمة في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر هي أن العادة الغالبة وسنة الفطرة المتبعة هي استحباب إظهار الخير والتحدث به في الملإ ، وان الشر والاثم هو الذي يخفى ، ويذكر في السر والنجوى ، وفي الحديث الشريف « الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس » وقلما يكتم الناس شيئا من الخير المطلق المتفق على كونه خيرا ، وإنما الغالب في كتمان بعض الخير وإسراره وجعل الحديث فيه نجوى أن يكون ذلك الخير خيرا للمتناجين وشرا لغيرهم أو مؤذيا له ولو من بعض الوجوه . كاسرار الحرب والسياسة التي يتوخى بها أهلها نفع أنفسهم وضرر غيرهم فيكتمون اخبارها ويجعلونها نجوى بينهم لئلا تصل إلى خصمهم وعدوهم الذي يضره ما ينفعهم ، وينفعه ما يحبط عملهم ويبطل كيدهم . ويشبه ذلك ما يكون بين التجار وغيرهم من طلاب الكسب من التناجي فيما يخافون ان يطلع عليه غيرهم فيسبقهم اليه أو يشاركهم فيه ، فان ما يريدون ان يفوته من الكسب خير لهم وشر له وهنالك أمور من الخير تتوقف خيريتها أو كمال الخير فيها وخلوه من الشوائب على كتمانه وجعل التعاون عليه سرا والحديث فيه نجوى ، وهو ما ذكره اللّه تعالى من هذه الأمور الثلاثة . فما استثناها اللّه تعالى من النجوى التي لا خير في أكثرها الا لأنها يحتاج فيها إلى النجوى وإني لم افطن لهذا الا عند كتابة تفسير الآية وليس عندي فيه نقل ، وقد عجبت للأستاذ الامام كيف ذهل عنه فلم يبينه ما لم أعجب لغيره ، فإنه أبو عذرة هذه الدقائق في علم الانسان والقرآن على انني كنت أود لو كان بين يدي جميع كتب التفسير المعتبرة لا راجع تفسير الآية فيها « 1 »

--> ( 1 ) انني اكتب هذا في الباخرة التي تحملني إلى الهند في ليلة الجمعة 26 ربيع الأول سنة 1330