الشيخ محمد رشيد رضا

373

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالحراسة ، وجوز الزجاج والنحاس أن يكون للطائفتين جميعا اي وليكن المؤمنون حين انقسامهم إلى طائفتين - واحدة تصلي وواحدة تراقب وتحرس - حاملين للسلاح لا يتركه منهم أحد ، ووجه تقديم الأول ان من شأن الجميع في مثل تلك الحال ان يحملوا أسلحتهم الا في وقت الصلاة التي لا يكون فيها قتال ولا نزال فاحتيج إلى الامر بحمل السلاح في الصلاة لأنه مظنة المنع أو الامتناع . والأسلحة جمع سلاح وهو كل ما يقاتل به وانما يحمل منه في حال إقامة الصلاة التامة الأركان ما يسهل حمله فيها كالسيف والخنجر والنبال من أسلحة الزمن الماضي ، ومثل البندقية على الظهر والمسدس في الحزام أو الجيب من أسلحة هذا العصر فَإِذا سَجَدُوا اي فإذا سجد الذين يقومون معك في الصلاة فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ اي فليكن الآخرون الذين يحرسونكم من خلفكم ، وأحوج ما يكون المصلي للحراسة ساجدا لأنه لا يرى حينئذ من يهمّ به ، أو عبر بالسجود عن الصلاة اي اتمامها لأنه آخر صلاة الطائفة الأولى ، ويجب حينئذ ان يكون الباقون مستعدين للقيام مقامهم ، والصلاة مع النبي ( ص ) كما صلوا ، وهو قوله وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ اي ولتأت الطائفة الذين لم يصلوا لاشتغالهم بالحراسة فليصلوا معك كما صلت الطائفة الأولى وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ في الصلاة كما فعل الذين من قبلهم ، وزاد هنا الامر بأخذ الحذر وهو التيقظ والاحتراس من المخاوف ، وتقدم تحقيق القول فيه في تفسير قوله تعالى من هذه السورة بل من هذا السياق فيها ( 70 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) قيل إن حكمة الامر بالحذر للطائفة الثانية هو ان العدو قلما يتنبه في أول الصلاة لكون المسلمين فيها بل يظن إذا رآهم صفا انهم قد اصطفوا للقتال ، واستعدوا للحرب والنزال ، فإذا رآهم سجدوا علم أنهم في صلاة ، فيخشي أن يميل على الطائفة الأخرى عند قيامها في الصلاة ، كما يتربص ذلك بهم عند كل غفلة ، وقد بين تعالى لنا هذا معللا به الامر يأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة فقال وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً أي تمني اعداؤكم الذين كفروا باللّه وبما انزل عليكم لو تغفلون عن أسلحتكم