الشيخ محمد رشيد رضا

344

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآية من اللعنة ، فلا نستطيع ان نحكم بان صلاحها بالتوبة النصوح والمواظبة على الأعمال الصالحة متعذر ولا متعسر أما شبهة العذر أو شبهه فقد يظهر فيمن كان شديد الغضب حديد المزاج ، إذا رأى من خصمه ما يثير غضبه وينسيه ربه ، فقد يندفع إلى القتل لا يملك فيه نفسه ، الا ان يقال إن هذا لقتل لا يعد من العمد أو التعمد الذي هو أبلغ من العمد لما في صيغة التفعل من الدلالة على معني التربص أو التروي في الشيء . وقد ذكروا ان الضرب بما لا يقتل في الغالب إذا افضى إلى القتل لا يسمى عمدا بل شبه عمد كالضرب بالعصا . وانما العمد ما كان بمحدد وما في معناه مما جرت العادة بكونه يقتل كبندق الرصاص المستعمل في هذا الزمان بآلاته الجديدة كالبندقية والمسدس ، واشترطوا فيه أن يقصد به القتل فإنه قد يطلق الرصاص عليه بقصد الإرهاب وهو ينوي ان لا يصيبه فيصيبه بدون قصد . ولفظ التعمد يدل علي هذا وعلى أكثر منه كما قلنا آنفا واما كون القاتل قد تصلح نفسه وتتزكى بالتوبة النصوح فهو معقول في نفسه وواقع ويدخل في عموم ما ورد في التوبة ، ولا نعرف نفسا غير قابلة للصلاح ، الا نفس من أحاطت به خطيئته وران على قلبه ما كان يكسب من الأوزار ، بطول الممارسة والتكرار ، إذ يألف بذلك الشر ويأنس به حتى لا تتوجه نفسه إلى حقيقة التوبة بكراهة ما كان عليه ومقته والرجوع عنه ، لا انه يتوب ولا يقبل اللّه توبته فمن وقعت منه جريمة القتل فأدرك عقبها انه تعرض بذلك للخلود في النار ، واستحق لعنة اللّه تعالى والطرد من رحمته ، وباء بغضبه وتهوّك في عذابه العظيم ، فعظم عليه ذنبه ، وضاقت عليه نفسه ، فندم أشد الندم ، فأناب واستغفر ، وعزم على أن لا يعود إلى هذا الحنث العظيم ، ولا إلى غيره من المعاصي والأوزار ، واقبل على المكفرات ، وواظب على الباقيات الصالحات ، إلى أن أدركه الممات ، وهو على هذه الحال ، فهو ولا شك في محل الرجاء ، وحاش للّه أن يخلد مثله في النار ، نعم ان أمراء الجور الذين يسفكون دماء من يخالفون أهواءهم ، وزعماء السياسة الذين يجعلون من قوانين جمعياتهم اغتيال من يعارضهم في سياستهم ، وكبراء اللصوص