الشيخ محمد رشيد رضا

331

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً * * * لما بين اللّه تعالى أحكام قتل المنافقين الذين يظهرون الاسلام مخادعة ويسرون الكفر ويعينون أهله على قتال المؤمنين ، والذين يعاهدون المسلمين على السلم ويحالفونهم على الولاء والنصر ، ثم يغدرون ويكونون عونا لأعدائهم عليهم ، ناسب ان يذكر أحكام قتل من لا يحل قتله من مؤمن ومعاهد وذمي وما يقع من ذلك خطأ فقال وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً بينا في غير موضع ان هذا الضرب من النفي نفي للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل اي ما كان من شأن المؤمن من حيث هو مؤمن ولا من خلقه وعمله ان يقتل أحدا من أهل الايمان لان الايمان - وهو صاحب السلطان على نفسه والحاكم على ارادته المصرفة لعمله - هو الذي يمنعه من هذا القتل أن يجترحه عمدا ولكنه قد يقع منه ذلك خطأ فقوله تعالى إِلَّا خَطَأً استثناء منقطع معناه ما ذكرنا من الاستدراك . وقيل هو متصل معناه ما ثبت ولا وجد قتل المؤمن للمؤمن الا خطأ ، وهو نفي بمعنى النهي للمبالغة وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن ظنه كافرا محاربا والكافر الحربي - غير المعاهد والمستأمن والذمي - من إذا لم تقتله قتلك إذا قدر على قتلك ، أو أراد رمي صيد أو غرض فأصاب المؤمن ، أو ضربه بما لا يقتل عادة كالصفع باليد أو الضرب بالعصا فمات وهو لم يكن يقصد قتله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فعليه من الكفارة على عدم تثبته تحرير رقبة مؤمنة أي عتق رقبة نسمة من أهل الايمان من الرق ، لأنه لما اعدم نفسا من المؤمنين كان كفارته أن يوجد نفسا ، والعتق كالايجاد ، كما أن الرق كالعدم . عبر بالرقبة عن الذات لان الرقيق يحني رقبته دائما لمولاه ، كلما أمره ونهاه ، أو يكون مسخرا له كالثور الذي يوضع النير على رقبته لأجل الحرث ، ولهذا قال جمهور العلماء لا يجزئ عتق الاشلّ ولا المقعد لأنهما لا يكونان مسخرين ذلك التسخير الشديد في الخدمة الذي يجب الشارع إبطاله وتكريم البشر بتركه ، ومثلهما الأعمى والمجنون الذي