الشيخ محمد رشيد رضا

329

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قومنا وأرادوا أن يأمنوا نبي اللّه ويأمنوا قومهم فأبى اللّه ذلك عليهم فقال « كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها » يقول كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه . وروي عن السدي انها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين ينقل الحديث بين النبي ( ص ) والمشركين . ولا يبعد أن يكون كل من ذكر من هذا الفريق وان يكون منهم غير من ذكر ونزيد في بيان معنى قوله كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها أنهم كانوا يريدون أن يأمنوا جانب المسلمين إما باظهار الاسلام وإما بالعهد على السلم وترك القتال ومساعدة الكفار على المؤمنين - ثم يفتنهم المشركون أي يحملونهم على الشرك أو على مساعدتهم على قتال المسلمين وهو الإركاس فيرتكسون أي فيتحولون شر التحول معهم ، ثم يعودون إلى ذلك النفاق والارتكاس المرة بعد المرة ، أي فهم قد مردوا على النفاق فلا ينبغي أن يختلف المؤمنون في شأنهم ، وقد بين اللّه حكمهم بقوله : فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي فإن لم يعتزلوكم بترككم وشأنكم والتزامهم الحياد ، ويلقوا إليكم السلم أي زمام المسالمة بالصفة التي تثقون بها حتى كأن زمامها في أيديكم ، ( وفسره بعضهم بالصلح ) ويكفوا أيديهم عن القتال مع المشركين أو عن الدسائس ، - ان لم يفعلوا ذلك ويؤمن به غدرهم وشرهم فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، إذ ثبت بالاختبار أنه لا علاج لهم غير ذلك ، فقد قامت الحجة لكم على ذلك . وذلك قوله تعالى وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي جعلنا لكم حجة واضحة وبرهانا ظاهرا على قتالهم ، فقد روي عن غير واحد ان السلطان في كتاب اللّه تعالى هو الحجة . وهذا يقابل قوله تعالى في من اعتزلوا وألقوا السلم « فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا » وكل من العبارتين تؤيد الأخرى في بيان كون القتال لم يشرع في الاسلام إلا للضرورة ، وان هذه الضرورة تقدر بقدرها في كل حال « تفسير النساء » / « 42 خامس » / « س 4 ج 5 »