الشيخ محمد رشيد رضا
317
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً الحسيب المحاسب على العمل كالجليس بمعنى المجالس قال الراغب ويطلق على المكافئ وقال بعضهم معناه الكافي من حسبك كذا إذا كان يكفيك . قال الأستاذ الامام المعنى انه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية وفيه تأكيد لامر هذه الصلة بين الناس وأقول إن فيها أيضا إشعارا بحظر ترك إجابة من يسلم علينا ويحيينا وانه تعالى يحاسبنا على ذلك . ثم قال * * * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ التوحيد والايمان بالبعث والجزاء في الدار الآخرة هما الركنان الأولان للدين وانما الرسل يبلغون الناس ما يجب من إقامتهما ودعمهما بالأعمال الصالحة فلا غرو ان يصرح القرآن بهما معا تارة وبالأول منهما تارة أخرى في أثناء سرد الاحكام فان ذكرهما هو العون الأكبر والباعث الأقوى على العمل بتلك الاحكام ، وناهيك باحكام القتال التي يبذل المؤمن فيها نفسه وماله للدفاع عن الحق والحقيقة وحرية الدين الإلهي ونشر هدايته وتأمين دعاته وأهله ، وهل يبذل العاقل نفسه الا في مرضاة من يجزيه على ذلك ما هو أفضل من هذه الحياة الدنيا وكل ما فيها ، فالمعنى اللّه لا إله إلا هو لا يعبد غيره فلا تقصروا في طاعته والخضوع لامره فان في طاعته شرفكم وسعادتكم ، وارتقاء أرواحكم وعقولكم ، إذ حرركم بذلك من الرق والعبودية والخضوع لامثالكم من البشر ، بله الخضوع والذل لما دون البشر من المعبودات التي ذل لها المشركون ، وسيجعل لكم بهذا الدين ملكا عظيما ويجعلكم الوارثين ، وهل هذا كل ما عنده من الجزاء للمحسنين ؟ كلا انه واللّه ليجمعنكم ويحشرنكم إلى يوم القيامة ، لا ريب في ذلك اليوم ولا فيما يكون فيه من الجزاء الأوفى على الاعمال ، فقد أكد اللّه تعالى خبره بالقسم وهو أقوى المؤكدات وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أي لا أحد أصدق منه عز وجل فيرجح خبره على خبره . فكلام غيره يحتمل الصدق والكذب عن عمد وعلم أو عن جهل أو سهو ، واما كلامه تعالى فهو عن العلم المحيط بكل شيء « لا يضل ربي ولا ينسى » فلا يحتمل أن يكون خبره غير صادق لنقص في العلم ، كما لا يجوز أن يكون كذلك لغرض أو حاجة لأنه تعالى غني عن العالمين ، وقد دل إعجاز القرآن على كونه كلام اللّه تعالى فلم يبق عذر لمن قام عليه