الشيخ محمد رشيد رضا
304
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقال الأستاذ الامام : تقدم ان الآيات في وصف أولئك الضعفاء ، ولما قال إن الرسول ليس حفيظا عليهم وانما هو مبلغ عن اللّه تعالى أيد هذا وأوضحه بقوله فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي انك أنت المكلف أن تقاتل في سبيل اللّه ( وتقدم تفسيرها ) والرقيب على نفسك فقم بما يجب عليك بالعمل وحرض المؤمنين على القتال معك لان التحريض من التبليغ الذي منه الامر والنهي عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا عسى هنا تدل على الإعداد والتهيئة لان الترجي الحقيقي محال على العالم بكل شيء القادر على كل شيء فهي بمعنى الخبر والوعد وخبره تعالى حق لأنه لا يخلف الميعاد . والبأس القوة ، وكان بأس الكافرين ، موجها إلى اذلال المؤمنين ، لأجل الايمان لا لذواتهم واشخاصهم ، فتأييد الايمان متوقف على كف بأسهم ، وكفه متوقف على تصدي المؤمنين للجهاد أقول سبق غير مرة تفسير الأستاذ الامام لكلمة عسى بمثل هذا وحاصل المعنى ان تحريض النبي للمؤمنين على القتال معه هو الذي يحملهم بباعث الايمان والاذعان النفسي - دون الالزام والسيطرة - على الاستعداد له وتوطين النفس عليه ، وذلك هو الذي يوطن نفوس الكافرين على كف بأسهم عن المؤمنين ويعدهم لترك الاعتداء عليهم ، لأنه لا شيء ادعى إلى ترك القتال من الاستعداد للقتال ، وعلى هذه القاعدة جرى عمل دول أوربة في هذا العصر وبه يصرحون . تبذل كل دولة منتهى ما في وسعها من اتخاذ آلات القتال في البر والبحر وتنظيم الجيوش لتكون القوى الحربية بينهن متوازنة فلا تطمع القوية في الضعيفة فيغريها ضعفها بالاقدام على محاربتها . وجعل عسى للترجي لا يقتضي أن يكون المترجي هو اللّه عز وجل وانما يكون المعنى أن ما دخلت عليه مرجو في نفسه . بحسب سنة اللّه في خلقه . وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي لا يخيفنكم أيها المؤمنون بأس هؤلاء الكافرين وشدتهم ولا تصدنكم عن طاعة الرسول والعمل بتحريضه مذعنين مختارين فان اللّه تعالى الذي وعده بالنصر أشد بأسا منهم وأشد تنكيلا لهم مما يحاولون ان ينكلوا بكم ، ولكن سنته سبقت بأن تكون العاقبة لأهل الحق إذا اتقوا أسباب الخذلان ، واتخذوا أسباب الدفاع مع الصبر والثبات ، لا أنه ينصرهم