الشيخ محمد رشيد رضا
291
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نقل الرازي ما نقله في هذا المقام عن مفسري المعتزلة وهم الذين بينوا من بلاغة القرآن ومزاياه العجب العجاب ، وقد سبق إلى تحقيق القول في هذه المسألة وتفصيله القاضي أبو بكر الباقلاني امام الأشعرية ورافع لوائهم المتوفى 403 فإنه بين في كتابه « إعجاز القرآن » وجه إعجازه باخباره عن المغيبات وباشتماله على العلوم والاخبار التي لا تعرف الا بالتلقي والتعليم مع كون من جاء به أميا ثم قال . « والوجه الثالث انه بديع النظم عجيب التأليف متناه إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة ، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها ، فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للاعجاز وجوه ( منها ) ما يرجع إلى الجملة وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من جميع كلامهم ، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم ، وله أسلوب يختص به ، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ، وذلك ان الطرق التي يتقيد بها الكلام المنظوم تنقسم إلى اعاريض الشعر على اختلاف أنواعه ، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع ، ثم إلى معدل موزون غير مسجع ، ثم إلى ما يرسل ارسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وافهام المعاني المعترضة على وجه بديع ، وترتيب لطيف ، وان لم يكن معتدلا في وزنه ، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل ولا يتصنع له ، وقد علمنا أن القرآن مخالف لهذه الوجوه ومباين لهذه الطرق ، ويبقى علينا ان نبين انه ليس من باب السجع ولا فيه شيء منه ، وكذلك ليس من قبيل الشعر لان من الناس من زعم أنه كلام مسجع ، ومنهم من يدعي ان فيه شعرا كثيرا ، والكلام يذكر بعد هذا الموضع ، فهذا إذا تأمله المتأمل تبين بخروجه عن أصناف كلامهم ، وأساليب خطابهم ، انه خارج عن العادة وأنه معجز ، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن ، وتميز حاصل في جميعه « ( ومنها ) انه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الغزيرة ، والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة ، والتشابه في البراعة ، على هذا الطول وعلى هذا القدر ، وانما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة ،