الشيخ محمد رشيد رضا

289

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان هذا القرآن ينزل منجما بحسب الوقائع والأحوال فيأمر النبي ( ص ) عند نزول الآية أو الطائفة من الآيات أن توضع في محلها من سورة كذا وهو لا يقرأ في الصحف ما كتب أولا ولا ما كتب آخرا ، وانما يحفظه حفظا ، ولم تجر العادة بأن الذي يأتي من عند نفسه بالكلام الكثير في المناسبات والوقائع المختلفة يتذكر عند كل قول جميع ما سبق له في السنين الخالية ويستحضره ليجعل الآخر موافقا للأول ، وإذا تذكرت ان بعض الآيات كان ينزل في أيام الحرب وشدة الكرب ، وبعضها كان ينزل عند الخصام ، وتنازع الافراد أو الأقوام ، جزمت بأن من المحال عادة أن يتذكر الانسان في هذه الأحوال جميع ما كان قاله من قبل ليأتي بكلام يتفق معه ولا يختلف ، وكان إذا تلا عليهم الآيات يحفظونها عنه في صدورهم ويكتبونها في صحفهم ، فلم يكن ثم مجال للتنقيح والتحرير لو فرض ، وإن تعجب فعجب ان تمر السنون والأحقاب ، وتكر القرون والأجيال ، وتتسع دوائر العلوم والمعارف ، وتتغير أحوال العمران ، ولا تنقض كلمة من كلمات القرآن ، لا في أحكام الشرع ، ولا في أحوال الناس وشؤون الكون ، ولا في غير ذلك من فنون القول كتب ابن خلدون مقدمته في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والعمران فكانت أفضل الكتب وأحكمها في عصر مؤلفها وبعد عصره بعدة عصور ، ثم ارتقت العلوم وتغيرت أصول العمران فظهر الاختلاف والخطأ في كثير مما فيها ، بل نرى العالم النابغ في علم معين من علماء هذا العصر يؤلف الكتاب فيه ويستعين عليه بمعارف اقرانه من العلماء الباحثين ثم يطيل التأمل فيه وينقحه ويطبعه فلا تمر سنوات قليلة الا ويظهر له الخطأ والاختلاف فيه فلا يعيد طبعه الا بعد ان يغير منه ويصحح ما شاء ، فما بالك بما يظهر للانسان من الاختلاف والتفاوت في الكتب التي يؤلفها غيره من أول وهلة لا بعد مرور السنين ، واتساع دائرة العلوم . وقد ظهر هذا القرآن في أمة أمية لا مدارس فيها ولا كتب على لسان أمي لم يتعلم قراءة ولا كتابة ، فكيف يمر عليه ثلاثة عشر قرنا يتغير فيها العمران البشري كما قلنا ولا يظهر فيه اختلاف ولا تفاوت حقيقي يعتد به ، ويصلح ان يكون مطعنا فيه ، أليس هذا