الشيخ محمد رشيد رضا

269

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القارس أو الحر الشديد ، وقس على ذلك غيره من أسباب الأمراض التي ترجع كلها إلى الجهل بالأسباب وسوء الاختيار في الترجيح . والأمراض الموروثة من جناية الانسان على الانسان فهي من نفسه أيضا لا من أصل الفطرة والطبيعة التي هي من محض خلق اللّه دون اختيار الانسان لنفسه ، فوالداه يجنيان عليه قبل وجوده بتعريض أنفسهما للمرض الذي ينتقل إلى نسلهما بالوراثة كما يجنيان عليه بعده بتعريضه هو للمرض في صغره بعدم وقايته من أسبابه ، في الوقت الذي يكون اختيارهما له قائما مقام اختياره لنفسه ، واضرب لهم مثلا خاصا غزوة أحد أصابت المسلمين فيها سيئة كان سببها تقصيرهم في الوقوف عند أسباب الفوز والظفر بعصيان قائد عسكرهم ورسولهم ( ص ) وترك الرماة منهم موقعهم الذي أقامهم فيه للنضال وكان ذلك لخطإ في الاجتهاد سببه الطمع في الغنيمة كما تقدم في تفسير سورة آل عمران من الجزء الرابع ( فان قيل ) ان جميع الأشياء حسنها وسيئها تسند إلى اللّه عز وجل ويقال إنها من عنده بمعنى انه هو الخالق لموادها والواضع لسنن الأسباب والمسببات فيها ، ويسند إلى الانسان منها كل ما له فيه كسب وعمل اختياري سواء كان من الحسنات أو السيئات ، وقد مضى بهذا عرف الناس وأيدته نصوص الكتاب والسنة بمثل قوله تعالى ( 6 : 160 مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) . فلما ذا جعل هنا إصابة الحسنة من فضل اللّه تعالى مطلقا وإصابة السيئة من نفس الانسان مطلقا ؟ ( فالجواب عن هذا ) أن ما ذكر في السؤال حق وما في الآية حق ولكل مقام مقال ، والمقام الذي سيقت الآية له هو بيان أمرين ( أحدهما ) نفي الشؤم والتطير وإبطالهما ليعلم الناس ان ما يصيبهم من السيئات لا يصيبهم بشؤم أحد يكون فيهم ، وكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية ولا يزال التطير والتشاؤم فاشيا في الجاهلين من جميع الشعوب وهو من الخرافات التي يردها العقل وقد ابطلها دين الفطرة . قال تعالى في آل فرعون ( 7 : 130 فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ