الشيخ محمد رشيد رضا
255
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من شأنه ان يخرج معكم ، وما منعه أن يخرج الا ضعف إيمانه ، ثم إن تمنيه بعد الظفر أو الغنيمة لو كان معكم دليل على ضعف عقله وكونه ممن يشرون الحياة الدنيا بالآخرة وهم الذين تشير إليهم الآية التالية هذا ما اختاره الأستاذ الامام في الآية وهو أحد قولين للمفسرين رجحوه بكون الخطاب للذين آمنوا ثم بقوله « وَإِنَّ مِنْكُمْ » ولم يقل فيكم وبما في معناه من قوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ » والقول الثاني ان هؤلاء المبطئين هم المنافقون لأن هذه الصفات لا تكون الا لهم فان المؤمن مهما كان ضعيف الايمان لا يقول هذا القول عند مصيبة المؤمنين ولا يعد من نعم اللّه عليه انه لم يكن معهم شهيدا ، بل يستحي من اللّه عز وجل ويلوم نفسه أن أطاعت داعي الجبن ويستغفر ربه من ذلك ، ولا يكون شديد الشره والحرص على المشاركة في الفوز والغنيمة . فالآية في المنافقين سواء كان التبطيء فيها لازما بمعنى الابطاء أو متعديا بمعنى حمل الناس عليه ، وقد اسند اللّه تعالى كلا المعنيين إلى المنافقين في عدة آيات ، والظاهر هنا معنى الإبطاء عن الخروج إذ لو بطأ غيره وخرج هو لكان قد شهد الحرب فلا معنى لسروره إذا أصيبوا ، ولا لتمنيه لو كان معهم إذا ظفروا ، ويصح ان يقال إن من أبطأ يبطئ غيره بإبطائه إذ يكون قدوة رديئة لمثله من منافق أو جبان ، ويبطئه أيضا بقوله حتى لا ينفرد بهذا الذنب ، فان الفضيحة والمؤاخذة على المنفرد أشد ، وإذا كثر المذنبون يتعسر أو يتعذر عقابهم ولأجل هذا تتألف العصابات في هذا الزمان للأعمال التي يعاقب عليها الحكام ، ولفظ التبطيء يدل على كونه يبطئ غيره بسبب إبطائه ، فهو أبلغ من غيره هؤلاء الذين اختاروا ان المبطئ هو المنافق قد أجابوا عن جعله من المؤمنين بقوله تعالى لهم « مِنْكُمْ » بأنه منهم بالزعم والدعوى أو في الظاهر دون الباطن لأنه كان يعامل معاملة المؤمنين وتجري عليه أحكامهم ، وزاد بعضهم وجها ثالثا وهو انه منهم في الجنس والنسب والاختلاط ، وليس بشيء . يجزم هؤلاء بأن الايمان ينافي ما ذكر من التبطيء عن القتال بكل من معنييه مع ذينك القولين عند المصيبة ، وعند الظفر والغنيمة ، فان من يبطئ ويقول ذلك