الشيخ محمد رشيد رضا
246
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا يجوز ان يطلبوا منه ان يسلط عليهم الكفار يقتلونهم ، ولأنه ورد اطلاق لفظ الشهيد على المبطون والمطعون والغريق . قال « فعلمنا ان الشهادة ليست عبارة عن القتل بل نقول الشهيد فعيل بمعنى الفاعل وهو الذي يشهد بصحة دين اللّه تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط وهم الذين ذكرهم اللّه في قوله ( 3 : 18 شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) ويقال للمقتول في سبيل اللّه شهيد من حيث إنه بذل نفسه في نصرة دين اللّه وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، وإذا كان من شهداء اللّه بهذا المعنى كان من شهداء اللّه في الآخرة كما قال ( 2 : 143 وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) وقال الأستاذ الامام الشهداء هم الذين أمرنا اللّه تعالى ان نكون منهم في قوله ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) وهم أهل العدل والانصاف الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون ، ويشهدون على أهل الباطل انهم مبطلون ، ودرجتهم تلي درجة الصديقين . والصديقون شهداء وزيادة وأقول إن الشهادة التي تقوم بها حجة أهل الحق على أهل الباطل تكون بالقول والعمل والاخلاق والأحوال فالشهداء هم حجة اللّه تعالى على المبطلين في الدنيا والآخرة بحسن سيرتهم . وتقدم القول في ذلك في تفسير ( 2 : 143 لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) من الجزء الثاني ، وتفسير ( 2 : 140 ) من الجزء الرابع . ويروى عن سيدنا علي أنه قال إن الأرض لا تخلو من قائم للّه بالحجة ، ويتوهم اسرى الاصطلاحات ، ورهائن القيود المستحدثات ، ان حجج اللّه تعالى في الأرض هم علماء الرسوم حملة الشهادات ، الذين حذقوا النقاش في العبارات ، والجدل في مصارعة الشبهات ، وجمع النقول في تلفيق المصنفات ، كلا إن حجج اللّه تعالى من الناس هم اعلام الحق والفضيلة ، ومثل العدل والخير ، فمنهم العالم المستقل بالدليل وان سخط المقلدون ، والحاكم المقيم للعدل وان كثر حوله الجائرون ، والمصلح لما فسد من الاخلاق والآداب وان غلب المفسدون ، والباذل لروحه حتى يقتل في سبيل الحق وإن أحجم الجبناء والمراءون ، ( الصالحون ) هم الذين صلحت نفوسهم وأعمالهم ولم يبلغوا ان يكونوا حججا