الشيخ محمد رشيد رضا
239
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حكم لك بما تعلم أنه ليس لك صار حلالا لك أن تأكله ، ونص الحديث المتفق عليه الذي أوردناه آنفا أن من قضي له بحق أحد بناء على ظاهر الدعوى وهو يعلم أنه ليس بصاحب هذا الحق فإنما هي قطعة من النار إذا أخذها . فمن بلغه الحديث واعتقد صحته ولم يعارضه عنده نص يرجح عليه أو ينسخه بالدليل لا بالاحتمال ، وبقي مقلدا لقول ذلك الفقيه يستحلّ ما يحكم له به من حق غيره كان غير مطيع للّه ولرسوله ولا متصفا بالخصال التي تتوقف عليها صحة الإيمان قال الأستاذ الامام : قوله تعالى فلا وربك الخ تفريع على ما سبقه وهو نفي وإبطال لظن الظانين انهم بمجرد محافظتهم على أحكام الدين الظاهرة يكونون صحيحي الإيمان مستحقين للنجاة من عذاب الآخرة وللفوز بثوابها ، لا وربك لا يكونون مؤمنين حتى يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم ، ولا يكونون كذلك حتى يحكموك فيما شجر واختلط بينهم من الحقوق ، ثم بعد ان تحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعا للحكم في قلبه ، فان الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع . ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدا في شيء الا بما عنده من شبهة الحق فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرا وباطنا لأنه أعدل من يحكم بالحق أقول أما ما ذكروه في أسباب نزول الآية فقد أورد السيوطي منه في لباب النقول ما رواه الأئمة الستة ( أي البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة ) عن عبد اللّه ابن الزبير قال خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة « 1 » فقال النبي ( ص ) « اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك » فقال الأنصاري يا رسول اللّه أن كان ابن عمتك ؟ « 2 » فتلوّن وجهه ثم قال « اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم ارسل الماء إلى جارك » ، واستوعب للزبير حقه وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة ، قال الزبير فما أحسب هذه الآيات الا نزلت في ذلك « فَلا وَرَبِّكَ
--> ( 1 ) الشراج جمع شرجة وهي مسيل الماء من الحرة إلى السهل . والحرة أرض بظاهر المدينة ذات حجارة سود ( 2 ) أي أقضيت له بسبب أن كان ابن عمتك