الشيخ محمد رشيد رضا
234
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في مسألة اسرى بدر ومسألة الاذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك ، ولكن الخطأ في الاجتهاد ليس من المعصية في شيء فهو لا ينافي العصمة لأن المعصية هي مخالفة ما أمر اللّه تعالى به أو نهى عنه وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي ولو أن أولئك الذين رغبوا عن حكمك إلى حكم الطاغوت عند ظلمهم لأنفسهم بذلك جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من ذنبهم وندموا أن اقترفوه وحسنت توبتهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي دعا اللّه ان يغفره لهم لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي لتقبل اللّه توبتهم على هذا الوجه أتم القبول وأكمله وتغمدهم برحمته وغمرهم بإحسانه لأنه تعالى يقبل التوبة النصوح كثيرا مهما عاد صاحبها ورحمته وسعت كل شيء ، هذا هو معنى صيغة المبالغة في تواب رحيم . وإنما قرن استغفارهم الذي هو عنوان توبتهم باستغفار الرسول ( ص ) لأن ذنبهم هذا لم يكن ظلما لأنفسهم فقط لم يتعد شيء منه إلى الرسول فيكفي فيه توبتهم بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث إنه رسول له وحده الحق في الحكم بين المؤمنين به فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما صدر منهم ان يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم فيما اعتدوا به على حقه ، ويدعو اللّه تعالى ان يغفر لهم اعراضهم عن حكمه ، ومن هذا البيان تعرف نكتة وضع الاسم الظاهر موضع الضمير إذ قال « وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ » ولم يقل « واستغفرت لهم » فان حقه عليهم ان يتحاكموا اليه إنما كان له بأنه رسول اللّه وأنه مأمور بأن يحكم بين الناس بما أراه اللّه في وحيه وما هداه اليه في اجتهاده . ولو أنهم اعتدوا في معصيتهم على حقوقه الشخصية كأكل شيء من ماله بغير حق لقال « واستغفرت لهم » فان التوبة عن المعاصي المتعلقة بحقوق الناس لا تكون مقبولة ولا صحيحة الا بعد استرضاء صاحب الحق . وجعل بعض المفسرين نكتة وضع الظاهر موضع الضمير إجلال منصب الرسالة والايذان بقبول استغفار صاحب هذا المنصب الشريف وعدم رد شفاعته والظاهر ما قلناه والمنصب هو هو في شرفه وعلوه ، ولكن اللّه لا يغفر للمنافقين إذا لم يتوبوا وان استغفر لهم الرسول لان اللّه تعالى قال