الشيخ محمد رشيد رضا

231

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إذا قيل له فيه أو احتقر لأجله . وقيل المعنى قولا بليغا في أنفسهم أي يغوص فيها ويبلغ غاية ما يراد به منها ، وهو الذي أشار اليه الأستاذ الامام . وفيه تقديم معمول الصفة على الموصوف وهو جائز عند الكوفيين وكثيرا ما يرجح الأستاذ الامام مذهبهم ولا سيما في الجواز واستعمال اللغة والبصريون لا يجيزونه الا حيث يجوز تقديم العامل وتوسع بعضهم في الظروف . وقيل إن المراد بالقول البليغ ان يكون الوعظ بكلام بليغ وقيل هو أمر ثالث فالوعظ النصح المتعلق بأمر الآخرة والقول البليغ ما يكون في أمر الدنيا ومعاملتهم فيها . وذكر بعضهم ان من بلاغة الكلام طوله وهو قول مردود وفي الآية شهادة للنبي ( ص ) بالقدرة على الكلام البليغ وتفويض أمر الوعظ والقول البليغ اليه لان الكلام يختلف تأثيره باختلاف افهام المخاطبين وهي شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في موضعه وهذا بمعنى إيتاء اللّه تعالى نبيه داود الحكمة وفصل الخطاب وما أوتي نبي فضيلة الا وأوتي مثلها خاتم النبيين ( صلّى اللّه وسلم عليه وعليهم أجمعين ) وشهادة اللّه تعالى له في هذا المقام أكبر شهادة وإنما آتاه اللّه تعالى هاتين المزيتين على وجه الكمال بالنبوة والقرآن ولم يكن قبل النبوة مشهورا بين قومه بالفصاحة والبلاغة وان كان فصيحا بليغا لان اللّه تعالى صرفه عن مظهر فصاحتهم وبلاغتهم وهو الشعر والخطابة والمماتنة ( المغالبة ) في الأسواق والمجامع . وانما صرفه اللّه تعالى عن ذلك لتكون حجته في إعجاز القرآن بالبلاغة أظهر وابعد عن الشبهة فلا يقولن قائل انه تمرن على الكلام البليغ وزاوله الزمن الطويل حتى ارتقى فيه إلى هذه القمة العليا التي لا يطاول فيها . هذه هي حجتنا المؤيدة بسيرته الشريفة على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن معدودا قبل النبوة في بلغاء القوم بالشعر ولا الخطابة ولم يكن يحفل بمفاخراتهم ومماتناتهم فيها وانما كان مشهورا بالأمانة والفضيلة والصدق . وأما دليلنا على أن الحكمة العليا كالبلاغة العليا قد كمله اللّه تعالى بها بالنبوة أيضا فنصوص القرآن ، وسيأتي منها في هذه السورة قوله تعالى ( 112 وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) قال القاضي عياض في الشفاء « وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان ( ص ) من ذلك بالمحل الأفضل ، والموضع الذي لا يجهل ، سلاسة طبع ، وبراعة