الشيخ محمد رشيد رضا

218

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ليست نصا على منعه فلأن ما لا نص فيه إذا حمل على مماثله من الأحكام الثابتة مع علتها بالنص يصدق عليه انه رد إلى ذلك النص . نعم إنها تدل على بطلان القياس على أقوال الفقهاء وان كانوا مجتهدين كما نراه كثيرا في كتب الفقه يقولون هذا جائز أو حرام أو واجب قياسا على قولهم كذا . ومثله القياس بالعلل المنتزعة عن بعد بالتمحل الذي يوجد في النص ما ينفيه ولا يوجد ما يثبته ومنه قياس الدم على البول في نقض الوضوء عند بعض الفقهاء ولو كان هذا قياسا صحيحا لمضت به السنة وتوفرت فيه النصوص لكثرة الوقائع فيه في العصر الأول لأن الدماء كانت تسيل كثيرا من جميع تلك الأجساد الطاهرة دفاعا عن الدين والنفس واعلاء لكلمة الحق ، وفي السنة ما يدل على بطلان هذا القياس وهو التفرقة بين الحيض والاستحاضة . وقد قاس النبي ( ص ) والصحابة ( رض ) وتبعهم من بعدهم . ولا يعارض ثبوت القياس العمل بالبراءة الأصلية وكون الأصل في الأشياء الإباحة كما هو ظاهر . فان قيل إن القياس في الدين باطل بنص الأحاديث والقرآن . أما الأحاديث فمنها حديث « ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم » رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة وفي معناه أحاديث كثيرة في الصحيحين والسنن ورواية احمد ومسلم بلفظ « ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم » وحديث « ان اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » قال النووي في الأربعين حديث حسن رواه الدارقطني وغيره . فان هذه الأحاديث تدل على أن الدين لا يؤخذ الا من نص الشارع وان من مقاصد الحنيفية السمحة ان لا تكون تكاليفها كثيرة فتكثيرها بقياس المسكوت عنه على المنصوص مخالف لما أراده اللّه فيها من اليسر ولنصوص هذه الأحاديث المأخوذة من عموم القرآن إذ النبي ( ص ) ما كان الا مبينا للقرآن فهو قوله تعالى ( 7 : 104 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 105 ) قَدْ سَأَلَها