الشيخ محمد رشيد رضا
20
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قد نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف . وفي الوصف بالمؤمنة إرشاد إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض أقول في هذا أحسن تخريج وتوجيه لما عليه الحنفية وهم يبنونه على عدم الاحتجاج بمفهوم الشرط ومفهوم اللقب والا فظاهر الشرط أن من قدر على نكاح الحرة المؤمنة لا يحل له ان ينكح الأمة المؤمنة بله غير المؤمنة . وظاهر وصف الفتيات بالمؤمنات أنه لا يحل نكاح الأمة غير المؤمنة . وقد أحل اللّه في سورة المائدة نكاح المحصنات من الذين أوتو الكتاب وهن الحرائر في قول مجاهد وغير واحد من مفسري السلف وقال غيرهم هن العفائف وعلى هذا تكون آية المائدة دليلا عن أن الوصف هنا لا مفهوم له أو ناسخة لمفهومه أو مخصصة لعمومه ان قلنا إنه عام وسيأتي انه خاص . وعندي ان مفهوم الصفة تارة يكون مرادا وتارة لا يكون مرادا فإذا قلت وزع هذا المال أو نسخ هذا الكتاب على طلاب العلم الفقراء . تعين ان لا يوزع على الأغنياء منهم شيء منه . لان الصفة مقصودة لمعنى فيها كان هو سبب العطاء وإذا قلت وزع هذه الدراهم على الخدم الواقفين بالباب جاز ان يعطى منها للواقف منهم والقاعد لان الصفة ههنا ذكرت لبيان الواقع المعتاد لا لمعنى في الوقوف يقتضي العطاء . فبالقرائن تعرف الصفة التي يراد مفهومها والصفة التي لا يراد مفهومها . وقد يقال إن من القرينة على اعتبار مفهوم الوصف بالمؤمنات هنا انه لم يكن عندهم في مقابلته الا المشركات وهن محرمات بنص آية البقرة فلو لا القيد هنا لتوهم نسخ ذلك التحريم ، ولم يذكر مثل هذا القيد في قوله تعالى « وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ » ففهم منها ان المسبيات المشركات حلال فاستمتعوا بهن يوم أوطاس فالمفهوم هنا خاص بالمشركات والصواب ان المشركات المحرمات في آية البقرة هن مشركات العرب كما رواه ابن جرير عن بعض مفسري السلف فحرم نكاحهن حتى يؤمنّ لان للاسلام سياسة خاصة بالعرب وهي عدم إقرارهم على الشرك ليكونوا كلهم مسلمين . وأما أهل الكتاب فإنه يقرهم على دينهم ويرضى من الداخلين في ذمة المسلمين منهم ان يؤدوا الجزية ولذلك أجاز للمسلمين في موادتهم ان يؤاكلوهم ويتزوجوا منهم وكذلك أقر المجوس على دينهم ومن كان مثلهم فله حكمهم كالبراهمة والبوذيين واللّه اعلم وأحكم