الشيخ محمد رشيد رضا
216
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أيها الأجير ، فأعادوا قولهم وأعاد قوله ، فقال معاوية دعو أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول . ونظم ذلك أبو العلاء المعري فقال : ملّ المقام فكم أعاشر أمة * أمرت بغير صلاحها أمراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها * فعدوا مصالحها وهم أجراؤها وقد عني الملوك المستبدون بعد ذلك بجذب العلماء إليهم بسلاسل الذهب والفضة والرتب والمناصب ، وكان غيرهم أشد انجذابا وقضى اللّه أمرا كان مفعولا وضع هؤلاء العلماء الرسميون قاعدة لأمرائهم ولأنفسهم هدموا بها القواعد التي قام بها أمر الدين والدنيا في الاسلام وهي أنه يجوز ان يكون أولياء الأمور كالأئمة والولاة والقضاة والمفتين فاقدين للشروط الشرعية التي دل على وجوبها واشتراطها الكتاب والسنة وان صرح بها أئمة الأصول والفقه ، قالوا يجوز إذا فقد الحائزون لتلك الشروط ، مثال ذلك أنه يشترط فيهم العلم الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد وقد صرح هؤلاء بجواز تقليد الجاهل ( أي المقلد ) وعدوه من الضرورة واطلق الكثيرون هذا القول وجرى عليه العمل وذلك من توسيد الامر إلى غير أهله الذي يقرب خطوات ساعة هلاك الأمة ، ومن علاماتها ذهاب الأمانة وظهور الخيانة ولا خيانة أشد من توسيد الامر إلى الجاهلين . روى مسلم وأبو داود من حديث ابن عباس « من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه واعلم بكتاب اللّه وسنة نبيه فقد خان اللّه ورسوله وجميع المسلمين » وان لحديث البخاري الذي تقدم في توسيد الامر إلى غير أهله مقدمة وذلك أنه ( ص ) قال « إذا ضيعت الأمانة انتظر الساعة » قيل يا رسول اللّه وما إضاعتها فقال « إذا وسد الامر إلى غير أهله فانتظر الساعة » والأحاديث في هذا الباب كثيرة أطلق أعوان الملوك والامراء القول بجواز تولية الجاهل وكذا فاقد غير العلم من شروط الولايات كالعدالة الشرعية ولم يصرح الكثيرون منهم بأن هذه ضرورة موقتة وانه يجب على الأمة إذا فقد شرط من شروط إقامة أمر دينها أو دنياها ان تسعى في إقامته ، ومن صرح بذلك من أفراد المحققين ذهب قوله في الجمهور الجاهل عبثا ، والأمة كلها تكون آثمة إذا فقد أولو الامر والامراء والحكام ما يجب