الشيخ محمد رشيد رضا

205

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عندهم هو الفقيه ويشترط في تحقق الاجتهاد أن يكون بالغا عاقلا ذا ملكة يدرك بها المعلوم فقيه النفس عارفا بالدليل العقلي - أي البراءة الأصلية - ذا درجة وسطى في اللغة العربية وفنونها ( من النحو والصرف والبلاغة ) والأصول والكتاب والسنة . وصرح بأنه يكفي في زماننا الرجوع إلى أئمة الحديث أي إلى مصنفاتهم في الجرح والتعديل وما يصح وما لا يصح وبأنه لا يشترط علم الكلام ولا الذكورة ولا الحرية ، فيجوز أن يتألف المجتهدون أهل الاجماع من النساء والعبيد . أقول ليس تحصيل هذا الاجتهاد الذي ذكروه بالأمر العسير ولا بالذي يحتاج فيه إلى اشتغال أشق من اشتغال الذين يحصلون درجات العلوم العالية عند علماء هذا العصر في الأمم الحية كالحقوق والطب والفلسفة ومع ذلك نرى جماهير علماء التقليد منعوه فلا تتوجه نفوس الطلاب إلى تحصيله وظاهر ان تعريف جمهور الأصوليين للاجماع وتخصيصه بالمجتهدين المعرفين بما ذكر لا يتفق مع قول القائلين إنهم أهل الحل والعقد ولا على المصلحة العامة فان العالمين بما ذكروه من شروط المجتهد لا يعرفون مصالح الأمة والدولة في الأمور العامة كمسائل الامن والخوف والسلم والحرب والأموال والإدارة والسياسة بل لا يوثق بعلمهم الذي اشترطوه في احكام القضاء في هذا العصر الذي تجدد للناس فيه من طرق المعاملات ما لم يكن له نظير في العصور الأولى فيقيسوه به ثم إن ما ذكروه في تعريف الاجتهاد والمجتهد لا يقتضي ان يكون المجتهدون معصومين في اتفاقهم على الامر الذي يسمى اجماعا ولا سيما على قول الجمهور الذين يجيزون اجماع العدد القليل كالاثنين والثلاثة ، وغلا بعض أهل الأصول فقالوا ان عصمتهم كعصمة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وجعل بعضهم من ذلك اتفاقهم على العمل وان لم يصدر منهم قول فيه فقالوا فعلهم كفعل الرسول ( ص ) واختاره الجويني خلافا للباقلاني . وصرحوا بأن وقوع الخطأ منهم محال أخذوا هذا من كون الأمة لا تجتمع على ضلالة وهذا معنى آخر على أنهم يجيزون خطأ الأمة كلها إذا خلت من المجتهدين كما تقدم فنسأل اللّه تعالى أن يحفظ علينا العقل والدين ، ونحمده أن كانت هذه الآراء مختلفا فيها بين الباحثين ، حتى منع بعضهم هذا الاجماع البتة