الشيخ محمد رشيد رضا
197
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأصحاب رسول اللّه ( ص ) ولا نرى ان تقدمهم على هذا الوباء . فقال ارتفعوا عني . ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني . ثم قال ادع لي من كان هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان فقالوا نرى ان ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر في الناس « اني مصبح على ظهر » ( أي مسافر والظهر ظهر الراحلة ) فأصبحوا عليه : فقال أبو عبيدة أفرارا من قدر اللّه ؟ فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة - وكان عمر يكره خلافه - نعم نفرّ من قدر اللّه إلى قدر اللّه ، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس ان رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللّه وان رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللّه ؟ ( قال ) فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فقال ان عندي من هذا علما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إذا سمعتم به ( أي الوباء ) بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا يخرجوا فرارا منه » قال فحمد اللّه عمر بن الخطاب ثم انصرف . اه أقول وفي هذه الواقعة من العبرة ان عمر ( رض ) حكم مشيخة قريش في الخلاف بين جمهور المهاجرين والأنصار فلما اتفقوا على ترجيح أحد الرأيين أنفذه ، وهذا نحو مما اخترناه في تفسير الآية . وفيه أيضا انه لا يشترط في الرجوع إلى رأي أولي الامر ان يكونوا محيطين بما ورد في السنة من قضاء وعمل أو حديث ، وصرح بهذا الأصوليون في صفات المجتهد كان الخلفاء الراشدون وقضاتهم العادلون يعرفون رؤوس الناس وأهل العلم والرأي والدين . ويعرفون أنهم هم أولو الامر فيدعونهم عند الحاجة وكانت الأمة في مجموعها رقيبة على أميرها يراجعه حتى أضعف رجالها ونسائها فيما يخطئ فيه كما راجعت المرأة عمر في الصداق فاعترف بخطأه وإصابتها على المنبر « * » فكيف بأولي الامر الذين يتبعهم خلق كثير ، ولم يكن لاحد من الخلفاء الراشدين عصبية تمنعه من المسلمين
--> ( * ) راجع ص 467 ج التفسير الرابع وص 18 م المنار الثالث عشر )