الشيخ محمد رشيد رضا
195
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحكم عليهم فان حالهم لا تتغير فان اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ثم أقول بعد هذا انه قد بقي في الآية مباحث لا يتجلى معناها تمام التجلي وتتم الفائدة منه الا بها فنأتي بما يفتح اللّه تعالى به منها وان كان فيه شيء من تكرار بعض ما تقدم [ في الآية مسائل لا يتجلى معناها تمام التجلي وتتم الفائدة منه الا بها ] ( المبحث الأول في أولي الامر في الصدر الأول ) أولو الامر في كل قوم وكل بلد وكل قبيلة معروفون فإنهم هم الذين يثق بهم الناس في أمور دينهم ومصالح دنياهم لاعتقادهم أنهم أوسع معرفة واخلص في النصيحة وقد كانوا في عصر النبي ( ص ) يكونون معه حيث كان وكذلك كانوا في المدينة قبل الفتوحات ثم تفرقوا وكانوا يحتاجون إليهم في مبايعة الإمام ( الخليفة ) وفي الشورى في السياسة والإدارة والقضاء : فأما المبايعة فكانوا يرسلون إلى البعيد من أمراء الأجناد ورؤوس الناس في البلاد من يأخذ بيعتهم ولما لم يبايع معاوية أمير المؤمنين عليا كرم اللّه وجهه وكان له عصبة قوية قال من قال من الناس انه كان مجتهدا في حربه وقد كان في أتباعه من هو حسن النية كما كان فيهم محب الفتنة ومن قال فيهم أمير المؤمنين « أتباع كل ناعق » ولو كانت البيعة في عنقه لما كان ثم مجال لاشتباه من كان مخلصا في أمره . وأما القضاء فكانوا يجمعون له من حضر من أهل العلم والرأي ورؤساء الناس فيأخذون برأيهم فيما لا نص فيه روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب اللّه فان وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم وان لم يجد في كتاب اللّه نظر هل كانت من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيه سنة فان علمها قضى بها ، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال أتاني كذا وكذا فنظرت في كتاب اللّه وفي سنة رسول اللّه ( ص ) فلم أجد في ذلك شيئا فهل تعلمون ان النبي ( ص ) قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما قام اليه الرهط فقالوا نعم قضى فيه بكذا وكذا فيأخذ بقضاء رسول اللّه ( ص ) ويقول عند ذلك « الحمد للّه الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا » وان أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به . وان عمر بن الخطاب كان يفعل