الشيخ محمد رشيد رضا

191

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيهم العدد الكافي من العارفين بها فيظهر للجمهور خطأها فتتزلزل ثقته بمجلس الأمة ويفتح باب الخلاف والتفرق ويخشى أن تتألف الأحزاب للمقاومة فإما أن يكره الجمهور المخالف على القبول إكراها وحينئذ يكون الحكم للعصبية الغالبة ، لا للأمة المتحدة ، وإما أن تتطلع رؤوس الفتن وهذا ما يجب اتقاؤه وسد ذريعته في أساس الحكم وأصول السلطة لئلا تهلك الأمة بقيام بعضها على بعض ويكون بأسها بينها شديدا فيتمكن بذلك الأعداء من مقاتلها وقد نهينا في الكتاب والسنة عن التفرق والتنازع والخلاف التي تؤدي إلى مثل هذا البلاء . فتبين بهذا حكمة عرض المسائل التي يتنازع فيها أولو الامر على جماعة يردونها إلى الكتاب والسنة ويحكمون فيها بقواعدهما التي أشرنا إلى بعضها آنفا فان الأمة كلها ترضى بفصل هذه الجماعة عندما تؤيده بدليله ، وهل تكون هذه الجماعة من علماء الدين فقط أم من طبقات أولي الامر المختلفة ؟ للمفسرين في المخاطبين بقوله تعالى « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ » قولان مشهوران ( أحدهما ) أنهم أولو الامر على طريق الالتفات عن الغيبة إلى الخطاب . وعلى هذا يكون أولو الامر مخيرين في طريقة رد الشيء المتنازع فيه إلى اللّه والرسول بين أن يكون ذلك بواسطة بعض منهم أو من غيرهم بشرط أن يكونوا عالمين بالكتاب والسنة والمصالح العامة فان اتضح الامر برده إلى الكتاب والسنة لوضوح دليله وجب العمل به حتما وإلا كان المرجح هو الامام الأعظم كما تدل عليه السنة في ترجيح النبي ( ص ) لما اختلف فيه الصحابة ببدر وأحد ، وعلى أي شيء يبني ترجيحه ؟ الذي ظهر لي ان النبي ( ص ) رجح في أحد رأي الأكثرين مخالفا لرأيه ، ورجح في بدر الرأي الموافق لرأيه ولم يكن هناك أكثرية ظاهرة ، فيجب أن يراعي الامام ذلك . ولا مجال في هذا للتفرق والخلاف والقول الثاني ان المخاطبين هم غير أولي الامر أي العامة وصرح بعضهم بأن هذا يختص بأمر الدين فهو الذي لا يعمل فيه برأي أولي الامر والأولي أن يقال هم مجموع الأمة وعلى هذا يكون للأمة أن تقيم من يحكم فيما يختلف فيه أولو الامر برده إلى الكتاب والسنة ويأتي هنا ما ذكرناه آنفا في الاتفاق والاختلاف والتنازع من النزع وهو الجذب لان كل واحد من المختلفين يجذب الآخر إلى رأيه