الشيخ محمد رشيد رضا
178
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والحكومة في أي صورها لا تقوم الا برجال يلون ضروبا من الاعمال فمنهم حراس على حدود المملكة يحمونها من عدوان الأجانب عليها ويدافعون الوالج في ثغورها ، وحفظة في داخل البلاد يأخذون على أيدي السفهاء ممن يهتك ستر الحياء ويميل إلى الاعتداء من فتك أو سلب أو نحوهما ، ومنهم حملة الشرع وعرفاء القانون يجلسون على منصات الاحكام لفصل الخصومات والحكم في المنازعات ومنهم أهل جباية الأموال يحصلون من الرعايا ما فرضت عليهم الحكومة من خراج مع مراعاة قانونها في ذلك ثم يستحفظون ما يحصلون في خزائن المملكة وهي خزائن الرعايا في الحقيقة وان كانت مفاتيحها بأيدي خزنتها ، ومنهم من يتولى صرف هذه الأموال في المنافع العامة للرعية مع مراعاة الاقتصاد والحكمة كانشاء المدارس والمكاتب وتمهيد الطرق وبناء القناطر وإقامة الجسور واعداد المستشفيات ويؤدي أرزاق سائر العاملين في شؤون الحكومة من الحراس والحفظة وقضاة العدل وغيرهم حسبما عين لهم . وهذه الطبقات من رجال الحكومة الوالين على أعمالها انما تؤدي كل طبقة منها عملها المنوط بها بحكم الأمانة فان خزيت أمانة أولئك الرجال وهم أركان الدولة سقط بناء السلطة وسلب الأمن وزاحت الراحة من بين الرعايا كافة وضاعت حقوق لمحكومين وفشا فيهم القتل والتناهب ووعرت طرق التجارة وتفتحت عليهم أبواب الفقر والفاقة وخوت خزائن الحكومة وعميت على الدولة سبل النجاح فان حزبها أمر سدت عليها نوافذ النجاة ، ولا ريب ان قوما يساسون بحكومة خائنة إما أن ينقرضوا بالفساد واما أن يأخذهم جبروت أمة أجنبية عنهم يسومونهم خسفا ويستبدون فيهم عسفا فيذوقون من مرارة العبودية ما هو أشد من مرارة الانقراض والزوال « ومن الظاهر أن استعلاء قوم على آخرين انما يكون اتحاد آحاد العاملين والتئام بعضهم ببعض حتى يكون كل منهم لبنية قومه كالعضو للبدن ولن يكون هذا الاتحاد حتى تكون الأمانة قد ملكت قيادهم وعمت بالحكم افرادهم « فقد كشف الحق ان الأمانة دعامة بقاء الانسان ومستقر أساس الحكومات وباسط ظلال الأمن والراحة ورافع أبنية العز والسلطان وروح العدالة وجسدها ولا يكون شيء من ذلك بدونها