الشيخ محمد رشيد رضا

170

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأستاذ الامام : بعد ما بين اللّه تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين باللّه وحده وبجميع كتبه ورسله أدبنا بهذا الأدب العالي وأمرنا بالأمانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيا أو معنويا فقال إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلئ فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فان صحته لا تضر بالتئام السياق ولا بعموم الحكم إذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم والأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل ان يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع علي ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودع عنده أن يؤدي كذا إلي فلان مثلا أم لم يكن كذلك فان ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الافراد في الأمور الخاصة فالذي يتعلم العلم قد أودع أمانة وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم وقد أخذ اللّه العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعا وعرفا بنص قوله ( 3 : 187 وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي ( ص ) فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أودع المال أن يرده إلى صاحبه ، ويتوقف أداء أمانة العلم على تعرف الطرق التي توصل إلى ذلك فيجب ان تعرف هذه الطرق لأجل السير فيها . واعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أمروا به واخفاء الحق باخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق ، فإذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع ورأينا ان العلماء لم يعلموهم ما يجب في ذلك فيمكننا ان نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الأمانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب اللّه ولا عدر لهم في ترك استبانة الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب ، فهم خونة الناس وليسوا بالامناء أقول يعني رحمه اللّه تعالى انه يجب على العلماء ان يعرفوا الطرق التي تؤدي إلى