الشيخ محمد رشيد رضا
165
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يعهدون في أنفسهم من أن الذي يتعود الا لم يقل شعوره به ويصير عاديا عنده كما نرى من حال الرجل تعمل له عملية جراحية وتتكرر فإنه في المرة الأولى يتألم تألما شديدا ثم لا يزال التألم يخف بالتدريج حتى نراه لا يبالي به ، وهكذا نشاهد في كثير من الآلام والأمراض التي يطول أمرها أقول والظاهر أن نضح الجلود من العذاب ان كان حقيقة لا مجازا يكون هو اثر لفح النار بسمومها لأهل تلك الدار كما قال تعالى « تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ » ومتى لفح الجلد مرارا يبطل إحساسه وينفصل عن البشرة ويتربى تحته جلد آخر كما هو مشاهد في الدنيا ثم تكلم الأستاذ عن استشكال بعض المتكلمين لتعذيب الجلود الجديدة مع أن العصيان لم يكن بها ولم اكتب ما قاله ولا أتذكره والمشهور في الجواب عندهم ان البدل يكون عين الأصل المبدل منه في مادته وغيره في صورته ، وهذه سفسطة ظاهرة ، وذكر الرازي بعد هذا الجواب جوابا ثانيا وهو ان المعذب هو الانسان وذلك الجلد ما كان جزءا من ماهيته بل هو كالشئ الزائد الملتصق به ، وثالثا وهو ان المراد بالجلود السرابيل قال وطعن فيه القاضي بمخالفته للظاهر - ورابعا وهو ان هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع قال كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهي فقد ابتدأ وكلما انتهى إلى آخره فقد ابتدأ من أوله فكذلك قوله « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها » يعني كلما ظنوا انهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا انهم الآن حدثوا ووجدوا فيكون المقصود دوام العذاب وعدم انقطاعه اه تصويره لهذا الوجه وقد علمت أنه يوافق ما اختاره الأستاذ الامام في العبارة ورأيت أنه صورها بما هو أقرب من هذا التصوير إلى العقل واللفظ وذكر الرازي عن السدي وجها خامسا ورده لظهور بطلانه وقد رد الآلوسي الاشكال من أصله قال وعندي ان هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلا عن فاضل ، وذلك لان عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الادراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة فيد قاتل النفس ظلما مثلا آلة له كالسيف الذي