الشيخ محمد رشيد رضا
126
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التراب لنا طهورا » وجعلوا للتراب معنى مقصودا كما ستعلم في مسألة حكمة التيمم وأجاب الأولون عن هذا بأن لفظ التربة والتراب لا يؤخذ بمفهومه لأنه مفهوم لقب ذهب جمهور الأصوليين إلى عدم اعتباره فهو لا يخصص المنطوق وانما قال به اثنان من الشافعية وواحد من المالكية وبعض الحنابلة . على أن التراب هو الأعم الأكثر من صعيد الأرض فخص بالذكر في بعض الروايات لأحل ذلك وجاءت بعض الروايات بلفظ الأرض كحديث جابر المرفوع في الصحيحين والنساييو جعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا واستدلوا بلفظ « منه » في سورة المائدة إذ قال « فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ » فقالوا ان هذا لا يتحقق الا فيما ينفصل منه شيء ، وعارضهم الآخرون بما تقدم ذكره من تيمم النبي من الجذار في المدينة ولهم أن يقولوا انه ربما كان عليه غبار وفي رواية للشافعي انه حكه بالعصا ثم مسح منه وفيها مقال على أن ما ينفصل منه شيء ليس خاصا بالتراب فأكثر مواد الأرض ينفصل منها شيء إذا ديست أو سحقت ومن التراب اللزج الذي ييبس فلا ينفصل منه شيء بضرب اليدين عليه الا ان يداس كثيرا أو يدق ، ويرى هؤلاء ان « من » في آية المائدة للابتداء لا للتبعيض وهو خلاف المتبادر وأقرب منه أن تكون لبيان ما هو الأكثر والأغلب ولو كان الغبار قيدا لا بد منه لذكر في آية النساء لأنها متقدمة في النزول على سورة المائدة وعمل الناس باطلاقها زمنا طويلا ، وهي التي تسمى آية التيمم وهذا التقييد فيه عسر ينافي الرخصة ونفي الحرج الذي عللت به في سورة المائدة فان المسافر يعسر عليه ان يجد التراب الطاهر الذي ينفصل منه الغبار في كل مكان ولهذا رأيت بعض المستمسكين بهذا المذهب يحملون في أسفارهم اكياسا فيها تراب ناعم يتيممون منه والعمل باطلاق الآية أوسع من ذلك وأيسر ، ولم يفعل ذلك النبي ( ص ) في غزوة تبوك مثلا وما كان يوجد التراب الا في بعض طريقها ، ولو كان الغبار مقصودا لما نفض النبي ( ص ) كفيه بعد ان ضرب بهما الأرض كما في رواية شقيق لحديث عمار ولما امر بنفخهما في رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي له وهل يبقى بعد النفض والنفخ ما يكفي لإصابة الوجه واليدين من الضربة الواحدة ؟ فجملة القول إن الدليل على اشتراط التراب أو الغبار غير قوي فيضرب المتيمم بيديه أي مكان