الشيخ محمد رشيد رضا
118
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حَتَّى تَغْتَسِلُوا أي لا تقربوا الصلاة جنبا لا بأدائها ولا بالمكث في مكانها إلى أن تغتسلوا الا ما رخص لكم فيه من عبور السبيل في المسجد . وحكمة الاغتسال من الجنابة كحكمة الوضوء وهي النظافة والطهارة كما سيأتي في آية الوضوء من سورة المائدة ولهاتين الطهارتين فوائد صحية وأدبية سنبينها هناك بالتفصيل ان شاء اللّه تعالى . والاغتسال عبارة عن إفاضة الماء على البدن كله ومن شأن الجنابة أن تحدث تهيجا في المجموع العصبي فيتأثر بها البدن كله ويعقبها فتور وضعف فيه يزيله الماء ولذلك جاء في الحديث الصحيح « إنما الماء من الماء » رواه مسلم وقد جهل هذا من اعترض على حكمة التشريع وقال لو كان الدين موافقا للعقل لما أوجب في الجنابة إلا غسل أعضاء التناسل . فأوجب اللّه تعالى فيما جعله غاية للنهي عن صلاة الجنب أن يتحرى الانسان في صلاته النظافة والنشاط كما أوجب فيما جعله غاية للنهي عن صلاة السكران ان يتحرى فيها العلم والفهم وتدبر القرآن والذكر ويتوقف هذا على معرفة لغة القرآن فهي واجبة على كل مسلم كما تقدم . وهذا شيء من حكمة مشروعية الغسل ولما كان الاغتسال من الجنابة يتعسر في بعض الأحوال ويتعذر في بعضها ومثله الوضوء وكانت الصلاة عبادة محتومة وفريضة موقوتة لا هوادة فيها ولا مندوحة عنها لأنها بتكرارها تذكر المرء إذا نسي مراقبة اللّه تعالى فتعده للتقوى بين لنا سبحانه الرخصة في ترك استعمال الماء والاستعاضة عنه بالتيمم فقال وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ طويل أو قصير والشأن فيهما تعسر استعمال الماء ولا سيما في الحجاز وغيره من جزيرة العرب وقد يكون الماء ضارا بالمريض كبعض الأمراض الجلدية والقروح أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً أي أو أحدثتم حدثا أصغر وهو خروج شيء من أحد السبيلين ( القبل والدبر ) وعبر عنه بالمجيء من الغائط كناية كما هي سنة القرآن في النزاهة بالكناية عما لا يحسن التصريح به والغائط هو المكان المنخفض من الأرض كالوادي وأهل البوادي والقرى الصغيرة يقصدون بحاجتهم الأماكن المنخفضة لأجل الستر والاستخفاء عن الابصار ، ثم صار لفظ الغائط حقيقة عرفية