الشيخ محمد رشيد رضا
99
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بزمن نزول الآية إذا كانت تناسبها وإن لم تكن الآية نزلت في الحادثة التي ذكروها خاصة بأن تكون نزلت في سياق هي متممة له ، ولكن الراوي رأى انها تتناول تلك الحادثة ، أو ظن أنها نزلت فيها خاصة ، وقد يكون مخطئا في اجتهاده لمنافاة ذلك لأسلوب القرآن البليغ ولنعد إلى سياق الأستاذ الامام في الآية قال ما مثاله المتعين في السياق ان قوله تعالى « إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً » تعليل لما قبله ، وان قوله « الَّذِينَ يَبْخَلُونَ » الخ وصف لمن كان مختالا فخورا أو بدل منه ولم يذكر ما يبخلون به فيخصه بالمال لان الاحسان بالوالدين وذي القربى وما عطف عليهم في الآية لم يكن مرادا به الاحسان بالمال فقط كما علم مما تقدم بل منه الاحسان بالقول والمعاملة ، فالمراد بالبخل البخل بذلك الاحسان المأمور به فهو أعم من البخل بالمال فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السّلام والنصح في التعليم ، وبالنفس لانقاذ المشرف على التهلكة ، وكذلك كتمان ما آتاهم اللّه من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم ، وجئ به بعد الأول لتوبيخ أهله ، وبيان أنهم لاحق لهم فيه ، ويجوز ان يخص البخل بامساك المال ، ويجعل الكتمان عاما شاملا لما عداه من أنواع الاحسان ، فالكلام في الاحسان ، والمقصرون فيه إنما يقصرون بعلة الخيلاء والفخر ، اللذين هما مظهر الترفع والكبر ، فهو يبين لنا أن من كان ملوث النفس تلك الرذيلة لا يكون محسنا ، لان الكبر يستلزم جحود الحق ، ولا سيما إذا ظهرت آثاره بالقول والعمل ، وجحود الحق يستلزم منعه ومنعه هو البخل ، فبين ان الملوثين بذلك الخلق الذي يبغض اللّه صاحبه ولا يحبه ( وهو الكبر البين أثره ) يبخلون بما أمروا به من الاحسان ويأمرون الناس بالبخل إما بلسان المقال واما بلسان الحال بأن يكونوا قدوة سيئة في ذلك ، ويكتمون نعم اللّه تعالى عليهم بانكارها وعدم الشكر عليها بالانفاق منها ولذلك توعدهم بقوله وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً أي وهيأنا لهم بكبرهم وكفرهم ، وبخلهم وعدم شكرهم ، عذابا ذا إهانة يجمع لهم فيه بين الألم والمهانة والذلة جزاء كبرهم وقال للكافرين ولم يقل لهم للايذان بأن هذه الاخلاق والاعمال إنما تكون من الكفور ، لا من المؤمن الشكور