ابن قيم الجوزية

91

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الثاني : أن يصدر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعظم بها فإن هذا أضر عليه من كثير من المعاصي الظاهرة . الثالث : أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية فإن العبد يعمل العمل سراً بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر فإن تحدث به نقل إلى ديوان العلانية فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل . [ فصل ] وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن العادة طبيعة خاصة فإذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان فلا يقوى باعث الدين على قهرهما . [ فصل ] القسم الثاني : مالا يدخل تحت الاختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التي لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان أحدهما : مالا صنع للعبد الآدمي فيه والثاني : ما أصابه من جهة آدمي مثله كالسب والضرب وغيرهما . فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات : أحدها : مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا مالا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً ومروءة وهو أعظم المصيبتين . المقام الثاني : مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الانسانية . المقام الثالث : مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والصبر متفق على وجوبه . المقام الرابع : مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلى عليها .