ابن قيم الجوزية
83
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعاً إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب فان حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه غاية الألم بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبناً . السادس عشر : تعرضه إلى من القلوب بين إصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء كل شيء إليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف : إن الله في أيام دهره نفحات ، فتعرضوا لنفحاته ، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم . ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التي لا يسئل الله فيها شيئاً إلا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الإجابة فإنه لو لم يرد إجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل : لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه * من جود ما عودتني الطلبا ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه إلا ليعطيه ولا أمرضه إلا ليشفيه ولا أفقره إلا ليغنيه ولا أماته إلا ليحييه وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكل حال كما قيل : يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك إليها . فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحه بسقمه فلا يستوحش عبده من حالة تسوءه أصلاً إلا إذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه . السابع عشر : أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث