ابن قيم الجوزية

76

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الباب الثاني عشر في الأسباب التي تعين على الصبر لما كان الصبر مأموراً به جعل الله سبحانه له أسباباً تعين عله وتوصل إليه وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسباباً تمده وتعين عليه كما أنه ما قدر داءا إلا وقدر له دواء أو ضمن الشفاء باستعماله . فالصبر وإن كان شاقاً كريهاً على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل فمنهما تركب جميع الأدوية التي تداوي بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء عملي فمنهما يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الأدوية . فأما الجزء العلمي فهو ادراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وادراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغي أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الانسانية وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له مرارته وانقلب ألمه لذة . وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس وكل متصارعين أرادا أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع القوة والمرض سواء .