ابن قيم الجوزية
74
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
الباب الحادي عشر في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره اما اختياراً واما اضطراراً فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه إن لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينزع منه مكروهاً وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء : ( العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر كما قيل : وأن الأمر يفضي إلى آخر * فيصير أخره أولاً فإذا كان آخر الأمر الصبر والعهد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره ، وقال بعض العقلاء : ( من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم ) فالكريم ينظر إلى المصيبة فان رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين . [ فصل ] وأما اللئيم فإنه يصبر اضطراراً فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدي عليه شيئاً وأيضاً فالكريم يصبر في طاعة