ابن قيم الجوزية

336

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها فهو المحسن بإعطاء الإحسان واعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه ؟ . وتأمل قوله سبحانه : ( ما يَفعَل اللَهُ بِعذابِكُم إِن شَكَرتُم وآمَنتُم وكانَ اللَهُ شاكِراً عَليماً ) كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سدى بغير جرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلاً فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء . وفي هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه ما يطيقه ثم يعذبه على ما لا يدخل تحت قدرته تعالى الله عن هذا الظن الكاذب والحسبان الباطل علواً كبيراً فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور ولا يضيع عمله وذلك من لوازم هذه الصفة فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص التي تنافي كماله وغناه وحمده . ومن شكره سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع عليه هذا القدر . ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاماً يرضيه بين الناس فيشكره له وينوه بذكره ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام وأثنى به عليه ونوه بذكره بين عباده وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته إلا هالك فإنه سبحانه غفور شكور يغفر الكثير من الزلل ويشكر القليل من العمل . ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن أسمائه الحسنى أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم وهو سبحانه جميل يحب الجمال عليم