الشيخ محمد رشيد رضا
93
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شأن القرآن لا يأمر إلا بالمحبة والخير والاحسان ودفع السيئة بالحسنة إن أمكن كما قال : ( 41 : 34 ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) فإن لم يمكن تحويل العدو إلى محب بدفع سيئاته بما هو أحسن منها فإنه يجيز دفع السيئة بمثلها من غير بغى ولا اعتداء ، كما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في معاملة بنى النضير الذين نزلت الآية فيهم أولا بالذات ، فإنه حالفهم ووادهم فنكثوا وخانوا غير مرة أعانوا عليه قريشا يوم بدر وادعوا أنهم نسوا العهد ثم أعانوا الأحزاب الذين تحزبوا لا بادة المسلمين ، ثم حاولوا قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتعذرت موادتهم واستمالتهم بالمحبة وحسن المعاملة ، فكان اللجأ إلى قتالهم وإجلائهم ضربة لازب ثم قال إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ قال الأستاذ الامام ما مثاله المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فإنما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتما ، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعا ، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بتعلمون عام للمؤمنين والكافرين جميعا - يعني على قراءة الحسن وأبى حاتم « تعملون » بالمثناة الفوقية أو على الالتفات - ومن كان عالما بعمل فريقين متحادين محيطا بأسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته ، ونتائجه وغاياته ، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه . فهداية اللّه تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب وينتهون به إلى أحسن العواقب . وأقول : إن الإحاطة إحاطتان إحاطة علم وإحاطة قدرة ومنع وهذا التفسير مبنى على أن الإحاطة هنا إحاطة علم لتعلقها بالعمل وذلك من المجاز الذي ورد في التنزيل كقوله تعالى ( 65 : 12 أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) وقوله ( 10 : 39 بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) وأما الإحاطة بالشخص أو بالشئ قدرة فهي تأتى بمعنى منعه مما يراد به وهذا ليس بمراد هنا وبمعنى منعه مما يريده وبمعنى التمكن منه ومنه الإحاطة بالعدو أي أخذه من