الشيخ محمد رشيد رضا
91
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وكونها كشخص واحد ( وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) كان بعض اليهود يظهرون الايمان للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين نفاقا وخداعا ، ومنهم من كان يظهره ثم يرجع عنه ليشكك المسلمين ، كما تقدم في آية « 72 » من هذه السورة « * » وإذا خلا بعضهم إلى بعض أظهروا ما في نفوسهم من الغيظ والحقد الذي لا يستطيعون معه إلى التشفي سبيلا ، وعض الأنامل كناية عن شدة الغيظ . ويكنى به أيضا عن الندم قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ فان الاسلام الذي هو سبب غيظكم لا يزداد باعتصام أهله به إلا عزة وقوة وانتشارا ، وقال ابن جرير « موتوا بغيظكم الذي على المؤمنين لاجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم » فليعتبر لمسلمون اليوم بهذا لعلهم يتذكرون انه ما حل بهم ما حل من الارزاء إلا بزوال هذا الاجتماع والائتلاف وبالتفرق بعد الاعتصام إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فهو يعلم ما تضم صدوركم من شعور الغيظ والبغضاء وموجدة الحقد والحسد ، فكيف يخفى عليه ما تقولون في خلواتكم وما يبديه تعضكم لبعض من ذلك ويعلم كذلك ما تنطوى عليه صدورنا معشر المؤمنين من حب الخير والنصح لكم . ثم قال مبينا حسدهم وسوء طويتهم إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها المس في الأصل كاللمس ، والمراد بتمسسكم هنا تصبكم ، ولعل اختيار لفظ المس في جانب الحسنة والإصابة في جانب السيئة للاشعار بان أولئك الكافرين يسوءهم ما يصيب المسلمين من خير وإن قل ؛ بان كان لا يزيد على ما يمس باليد وإنما يفرحون بالسيئة إذا أصابت المسلمين إصابة يشق احتمالها . هذا ما كان يتبادر إلى فهمي ولكن رأيت صاحب الكشاف يجعلهما هنا بمعنى واحد ويستدل باستعمال القرآن لكل منها في موضع الآخر ، ويقول : إن المس مستعار للإصابة . ثم خطر لي أن أراجع تفسير أبى السعود فإذا هو يقول « وذكر المس مع الحسنة ، والإصابة مع السيئة للايذان بأن مدار مساءتهم أدنى مراتب إصابة الحسنة ومناط فرحهم تمام إصابة السيئة . وإما لأن اليأس مستعار لمعنى الإصابة » والأول هو الوجه وهو من دقائق
--> ( * ) راجع ص 333 من الجزء الثالث من التفسير