الشيخ محمد رشيد رضا
79
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قال تعالى وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ يعنى أولئك الذين أهلكت الريح ذات الصر حرثهم وذلك انهم هم الذين كانوا ظلموا أنفسهم كما تقدم ، فكان هلاك زرعهم عقوبة لهم لا إيذاء آنفا وعلى هذا يكون قوله وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ تأكيدا ذاهبا بكل شبهة . والظاهر المختار أن الضمير في قوله « وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ » للمنفقين الذين ضرب المثل لبيان حالهم فهم المقصودون بالذات والمعنى ما ظلمهم اللّه بأن لم ينفعهم بنفقاتهم بل هم هم الذين ظلموا أنفسهم وحدها دون غيرها بانفاق تلك الأموال في الطرق التي تؤدى إلى الخيبة والخسران بحسب سنة اللّه في أعمال الانسان أما كونهم يظلمون أنفسهم دون غيرها أو دون أن يظلمهم أحد - كما تقدم أخذا من تقديم « أنفسهم » على عامله - فهو ظاهر على القول بأن الآية نزلت فيما كان ينفقه أهل مكة كلهم أو بعضهم أو اليهود في عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومقاومته إذ كانوا هم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم ولم يضروه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه به بل كانوا سبب سيادته عليهم وتمكنه منهم ، وظاهر أيضا على القول بأن المراد بتلك النفقات ما كان يضعه المنافقون في بعض طرق البر رياء وسمعة أو تقية من حيث إنها لا ينتفع بها في الآخرة . ويقولون مثل هذا في الكافر الذي ينفق في طرق البر حبا في البر ورغبه في الخير ، فإنه وإن كان أحسن حالا من المرائي لا تفيده نفقته في الآخرة لأن شرطها الايمان ؛ وقد ظلم نفسه بترك النظر في الآيات والبينات عليه بعد ما ظهرت له أو بالجحود بعد النظر ونهوض الحجة . وإنما يعنون بقولهم ان نفقته لا تفيده في الآخرة أنها لا تجعله من أهل الجنة . ولا يوجد عاقل قط يقول إن الكافرين في الآخرة كلهم سواء لا فرق بين المحسن عملا والمسىء وبين فاعل الخير ومقترف الاثم . وسنعود إلى هذا البحث في مواضع أخرى . ( 118 : 114 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ؛ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ . قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ .