الشيخ محمد رشيد رضا

77

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في لذاتهم وجاههم ونشر سمعتهم وتأييد كلمتهم فيصدهم عن سبيل اللّه ، وإن العقول والاخلاق الحسنة التي هي أصل جميع المنافع هي مثال الحرث أي إن المال الذي ينفقونه فيما ذكر هو الذي أفسد أخلاقهم وأهلك عقولهم بما صرفها عن النظر الصحيح ولفتها عن التفكر في عواقب الأمور ، ثم أشار إلى ما قالوه في جعل التشبيه في المثل مركبا وهو أن حالهم فيما ينفقونه وإن كان في الخير كحال الريح ذات الصر المهلكة للزرع . فهم لا يستفيدون من نفقتهم شيئا . ومن المفسرين من جعل هذا فيما ينفقونه في عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومقاومة دعوته سواء كان المنفقون هم اليهود أم أهل مكة . ومنهم من جعل ذلك فيما ينفق المنافقون رياء أو تقية . وقد خاب الفريقان وخسروا بنصر اللّه نبيه والمؤمنين وبفضيحة المنافقين في سورة براءة . وبعض المفسرين يخص هذا الانفاق بما يفعله الكافر على سبيل البر وهو لا يفيده في الآخرة شيئا إذ الايمان شرط لقبول الاعمال ونفعها في تلك الدار أما وصف القوم الذين أهلكت الريح حرثهم بكونهم ظلموا أنفسهم فقد قال الزمخشري في الكشاف مبينا نكتته ما نصه « فأهلك عقوبة لهم لأن الاهلاك عن سخط أشد وأبلغ » وفي هامشه كتب باملائه في ذلك أن النكتة في ذلك هي إفادة أن أولئك المنفقين لا يستفيدون شيئا منه لأن حرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب على الكلية إذ لا منفعة لهم فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب على الكلية لأنه وان كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى لما فيه من حصول أغراض لهم في الآخرة والثواب بالصبر على الذهاب » ا ه وأقول : إن الوصف يشعر بأن الجوائح قد تنزل بأموال الناس من حرث ونسل عقوبة على ذنوب اقترفوها ولكنه ليس نصافى ذلك لما علمت من تعليل الكشاف آنفا ولا يعارض ذلك ما ثبت من الأسباب الطبيعية لها لأنه لا يستنكر على البارىء الحكيم الذي وضع سنن ارتباط الأسباب بالمسببات في عالم الحس أن يوفق بينها وبين سننه الخفية في إقامة ميزان القسط في البشر لهدايتهم إلى ما به كمالهم من طريق العلوم الحسية التي يستفيدونها من النظر والتجربة ومن طريق الايمان بالغيب الذي يرشد إليه الوحي الإلهي . ويسمى ما ترتب عليه حدوث الشئ سببا له وما قارن