الشيخ محمد رشيد رضا
75
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويوم أحد وقيل : ان الكلام في الكفار عامة لعموم اللفظ فهو على اطلاقه ويدخل فيه اليهود الذين كانوا مجاورين للمسلمين يومئذ وكذا مشركو مكة دخولا أوليا . قالوا : انهم كلهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال ويعيرون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه بالفقر ويقولون : لو كان محمد على الحق ما تركه ربه في هذا الفقر والشدة ، وقيل : هم المنافقون إذ كان أكثرهم من الأغنياء . ومن كان كثير الأموال والأولاد قلما يشعر بحاجته إلى ما عند غيره من هداية أو علم أو أدب ( 96 : 6 إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) وقد سبق لنا بيان ذلك في تفسير قوله تعالى من هذه السورة ( 9 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ) « * » وقد فسر الجلال كغيره « تغنى » بتدفع ، أي لا تدفع شيئا من العذاب عنهم وإنما هو من الغناء بمعنى الكفاية ، ولذلك رد هذا القول الأستاذ الامام واختار ان « شيئا » هو مفعول مطلق قال : اى لا تغنى عنهم نوعا من أنواع الغناء أو لا تغنى غناء ما قال : وذكر الأموال والأولاد لان المغرور إنما يصده عن اتباع الحق أو النظر في دليله الاستغناء بما هو فيه من النعم وأعظمها الأموال والأولاد ، فالذي يرى نفسه مستغنيا بمثل ذلك قلما يوجه نظره إلى طلب الحق أو يصغى إلى الداعي إليه : اى ومن لم يوجه نظره إلى الحق لا يبصره ومن لم يبصره تخبط في دياجير الضلال عمره حتى يتردى فيهلك الهلاك الأبدي ولا ينفعه في الآخرة ماله فيفتدى به أو ينتفع بما كان أنفقه منه ولذلك قال ( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) لأن طبيعة أرواحهم اقتضت ان يكونوا في تلك الهاوية المظلمة المستعرة . ثم مثل حالهم في انفاق أموالهم التي فتنتهم فشغلتهم عن الحق أو أغرتهم بمقاومته فقال : ( مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) قال الراغب : مثل الشئ - بالتحريك - مثله وشبهه ويطلق على صفة الشئ . والمثل في الكلام عبارة عن قول في شئ يشبه قولا في
--> ( * ) راجع ص 231 من جزء التفسير الثالث أو مجلد المنار التاسع