الشيخ محمد رشيد رضا

68

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المضروبة بمن فيها ، وتقدم بيان ذلك كله للأستاذ الامام في تفسير ( 2 : 61 وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ) الآية فليراجع . فان ما هنا لا يغنى عنه . والحبل يطلق على العهد لأن الناس يرتبطون بالعهود كما يقع الارتباط الحسى بالحبال وذلك قول أبى الهيثم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين أتته الأنصار في العقبة « أيها الرجل إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس » ويسمى السبب في اللغة حبلا والحبل سببا . قيل : إن المعنى « إلا بعهد » أو سبب يأمنون به في بلاد الاسلام كما قال ابن جرير ، وقيل : السبب من اللّه الاسلام ، والسبب من الناس العهد أو التأمين . واختار الرازي ان الحبل من اللّه هو الجزية أي الذمة التي تحصل بقبولهم دفع الجزية والحبل من الناس هو ما فوض إلى رأى الامام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد . وقال الأستاذ الامام : أي ان حالهم معكم أن يكونوا أذلاء مهضومى الحقوق رغم أنوفهم إلا بحبل من اللّه وهو ما قررته شريعته لهم إذا دخلوا في حكمكم من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم إيذائهم وهضم شئ من حقوقهم ، وحبل من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة في المعيشة من احتياجكم إليهم واحتياجهم إليكم في بعض الأمور . أي فهذا القدر المستثنى من عموم الذلة لم يأتهم من أنفسهم وإنما جاءهم من غيرهم ، فهم لا عزة لهم في أنفسهم لأن السلطان والملك قد فقدا منهم وأنت ترى أن هذا الذي قاله الأستاذ الامام أظهر وأشد انطباقا على الواقع ، فلقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحسن معاملتهم ويقترض منهم ، وكذلك كان الخلفاء الراشدون يفعلون وقضية على مع اليهودي عند عمر مشهورة وفيها أن عليا أنكر على عمر مخاطبته أمام خصمه اليهودي بالكنية وفيها تعظيم ينافي المساواة بينهما . وقد تقدم أيضا تفسير ( وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ) في آية البقرة المشار إليها آنفا . باؤا بالغضب كانوا أحقاء به من البواء وهو المساواة يقال باء فلان بدم فلان أو بفلان إذا كان حقيقا أن يقتل به لمساواته له . أو أقاموا فيه ولبثوا من المباءة أي حلوا مبوأ أو بيئة من الغضب . وقد فسر بعضهم المسكنة بالفقر ، وان تعجب فعجب قول البيضاوي : ان اليهود في الغالب أهل فقر ومسكنة ! وليست المسكنة هي الفقر وإنما هي سكون عن ضعف أو حاجة . قال الأستاذ الامام هنا : إن المسكنة حالة للشخص منشؤها استصغاره لنفسه حتى لا يدعى له حقا والذلة حالة تعترى الشخص من سلب غيره لحقه وهو يتمناه فمنشؤها