الشيخ محمد رشيد رضا
65
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شئ أخص من الايمان العرفي الذي يدعيه كل أحد له دين وكتاب بل هو ما عرفناه آنفا وقبل ذلك . والكلام يشعر بأنه لا يوجد فيهم مؤمن هذا الايمان الاذعانى الذي يصحبه الاخلاص والامر بالمعروف والنهى عن المنكر مع أنه لا يمكن أن تعرى منه أمة لها دين سماوي والواقع أنه كان في أهل الكتاب مؤمنون مخلصون ولذلك قال تعالى ( مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) فعلم أن الحكم الأول على الأمة إنما هو حكم على أكثر أفرادها فهم الذين فسقوا عن حقيقة الدين ولم يبق عندهم منه إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة فالكلام استئناف بيانى لا استطراد كما قيل هذا ما يؤخذ من كلام الأستاذ الامام . وجمهور المفسرين على أن المعنى ولو آمن أهل الكتاب بما آمنتم به كما آمنتم لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة ولكن آمن بعضهم فمنهم المؤمنون كعبد اللّه سلام ورهطه من اليهود والنجاشي ورهطه من النصارى وأكثرهم فاسقون عن دينهم أي خارجون منه أو فاسقون في دينهم غير عدول فيه فلا حصلوا الاسلام وهو أكمل الأديان ولا تمسكوا بما عندهم ، أو أكثرهم متمردون في الكفر ، هكذا اختلف تعبيرهم فيؤخذ منه أنه لم يكن في أهل الكتاب أحد متمسك بدينه مخلصا فيه ، عاملا بأوامره ونواهيه ، وهذا غير معقول ولا موافق لما عرف من طبيعة البشر من ميل أناس منهم إلى الغلو في الدين واعتدال أناس آخرين وميل غير هؤلاء وأولئك إلى الفسوق والعصيان . فما من أهل دين إلا وفيهم الفرق الثلاث ، وإنما يكثر الاستمساك بالدين في أوائل ظهوره . ويكثر الفسق بعد طول الأمد عليه . قال تعالى ( 57 : 16 أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) فما عدا هذا الكثير هم المستمسكون بدينهم . والقرآن لم يحكم على أمة بالضلال والفسق بنص عام يستغرق جميع الأفراد ؛ بل يعبر تارة بالكثير وتارة بالأكثر ، وإذا أطلق أداة العموم يستثنى بمثل قوله في بني إسرائيل ( 2 : 83 ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) وقوله فيهم ( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) أو يحكم على البعض ابتداء كما تقدم في قوله « تفسير آل عمران 3 » « 5 » « س 3 ج 4 »