الشيخ محمد رشيد رضا

60

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كما قال الواقدي أنه أسلم عام الحديبية وأنه كان في عمرة القضاء مسلما . قال الحافظ في الإصابة بعد نقل قول الواقدي : وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج « فعلناها وهذا يومئذ كافر » : يعنى معاوية . وسواء صح قول الواقدي أم لا فمعاوية لم يهاجر ونقل ابن سعد عنه أنه كان يقول : لقد أسلمت قبل عمرة القضاء ولكني كنت أخاف أن أخرج إلى المدينة لأن أمي كانت تقول ان خرجت قطعنا عنك القوت : وما كان مع معاوية من المهاجرين الأولين إلا قليل اعتقدوا أنه يطالب بحق لا يلبث أن يناله وهو القصاص من قاتلي عثمان - ثم يدخل فيما دخل فيه الناس من مبايعة على ثالثها ) قد عرف المطلعون على التاريخ أن الصحابة لم يفرطوا في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما وجدوا وإنما ضعف ذلك بعد انقراض أكثرهم وهذان الركنان هما بعد الايمان أعظم أركان خيرية الأمة فما عرض من التفرق الدنيوي والخلاف بعد قتل عثمان لم يلبث أن زال بعد قتل على . لأن التفرق والخلاف لا يدوم في أمة تقيم هذين الركنين ولو بغير نظام ولو كان لهما نظام في الصدر الأول لما وقع كل ذلك الذي وقع . ألم يهد لك كيف كان الناس يغلظون لمعاوية في إنكار ما ينكرونه عليه حتى غير الصحابة منهم ؟ . الحق أقول : إن هذه الأمة ما فئت خير أمة أخرجت للناس حتى تركت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وما تركتهما رغبة عنهما أو تهاونا بأمر اللّه تعالى باقامتهما ، بل مكرهة باستبداد الملوك والأمراء من بنى أمية ومن سار على طريقهم ممن بعدهم وقد كان أول أمير منهم أظهر هذه الفتنة جهرا عبد الملك بن مروان إذا قال على المنبر « من قال لي اتق اللّه ضربت عنقه » فقد كانت شجرة بنى مروان الخبيثة هي التي سنت في هذه الأمة سنة الاستبداد فما زال يعظم ويتفاقم حتى سلب الأمة أفضل مزاياها في دينها ودنياها بعد الايمان . وقد بين الفخر الرازي في تفسيره نحو ما تقدم من كون وصف الأمة هنا بالأمر والنهى والايمان علة لكونها خير أمة أخرجت للناس فقال : « واعلم أن هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية كما تقول زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم . وتحقيق الكلام