الشيخ محمد رشيد رضا
52
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قيل إن بياض الوجوه وسوادها هنا من باب الحقيقة وأن ذلك يكون يوم القيامة خاصة واحتج صاحب هذا القول بمثل قوله تعالى ( 39 : 59 وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) وقيل وهو الراجح انه من باب الكنابة . قال الراغب في مادةبيض ) من مفرداته بعد ذكر الآية « ولما كان البياض أفضل الألوان عندهم كما قيل : البياض أفضل ، والسواد أهول ، والحمرة أجمل ، والصفرة أشكل : عبر عن الفضل والكرم بالبياض حتى قيل لمن لم يتدنس بمعاب : هو أبيض الوجه : وقوله تعالى « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ » فابيضاض الوجوه عبارة عن المسرة واسودادها عن الغم وعلى ذلك ( 16 : 58 وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) وعلى نحو الابيضاض قوله تعالى 8 : 38 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ اه وقال في مادةسود ) « السواد اللون المضاد للبياض يقال اسودّ واسوادّ قال « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ » فابيضاض الوجوه عبارة عن المسرة واسودادها عبارة عن المساءة ونحوه ( 16 : 85 وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) وحمل بعضهم الابيضاض والاسوداد على المحسوس والأول أولى لأن ذلك حاصل لهم سودا كانوا في الدنيا أو بيضا . وعلى ذلك قوله في البياض ( 75 : 22 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ) وقوله في السواد ( 75 : 24 وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ) 80 : 40 وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ 41 تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ) وقال ( 10 : 27 وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ) وعلى هذا النحو ما روى أن المؤمنين يحشرون غرلا محجلين من آثار الوضوء » اه وأورد الرازي في تأييد هذا الاستعمال الشائع شعرا لبعضهم في الشيب يا بياض القرون سودت وجهي * عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي * عن عيانى وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهى * وسواد لوجهك الملعون أقول : ولا يزال هذا الاستعمال شائعا عند كل ناطق بالضاد لا سيما وصف الكاذب بسواد الوجه * فتعجبوا لسواد وجه الكاذب * هذا هو الراجح في تفسير الآية وفاقا للراغب ولأبى مسلم والمختار عند الأستاذ الامام إذ حمل العذاب في الآية على عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جميعا . ويدل على ما يكون في