الشيخ محمد رشيد رضا
50
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بوجوب الاعتصام بحبل اللّه وهو كتابه وعدم التفرق والاختلاف . ولكن صوت هؤلاء الافراد لا يسمع بين جلبة جمهور العلماء لا سيما أصحاب المناصب والخطوة عند الأمراء والملوك الذين يدعمون سلطتهم بجمهور العلماء الذين يتبعهم العامة ومن العجيب أن هؤلاء العلماء الافراد الذين تنبهوا في القرون الوسطى إلى سوء حال علماء الاسلام الذين يلقبهم الغزالي بعلماء السوء لم يحاولوا معالجة هذا الداء واصطلام أرومته وهي تفرق المذاهب والتعصب لها بالدواء الذي وصفه اللّه تعالى في كتابه ؛ وهو تأليف أمة تدعو إلى الاعتصام وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بل اكتفى بعضهم بالشكوى من ذلك وإنكاره في الكتب التي يؤلفها كالامام الرازي أو باللسان لبعض تلاميذه كما نقل الرازي عن أكبر شيوخه في تفسير قوله تعالى ( 9 : 31 اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً ) فإنه بعد تفسير اتخاذهم أربابا بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون كما ورد في الحديث المرفوع قال ما نصه : « قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضى اللّه عنه قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب اللّه تعالى في بعض مسائل وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتو إليها وبقوا ينظرون إلى كالمتعجب ! يعنى كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الروابة عن سلفنا وردت على خلافها ! ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا » اه أقول : إن الرازي رحمه اللّه تعالى كان يقرر هذه الحقيقة عندما يفسر آياتها وينساها في مواضع أخرى ، فيتعصب للأشعرية في أصول العقائد وللشافعية في فروع الفقه ، لا سيما فيما يخالفون فيه الحنفية . وهذا هو أصل الداء الذي يشكو من بعض أعراضه عند الكلام في مسائل الخلاف مع الغفلة عن سببها . أما الامام الغزالي فقد تجرد عن التعصب للمذاهب كلها في نهايته ووصف الدواء في بعض كتبه كالقسطاس المستقيمراجع ذلك في ص 12 من الجزء الثاني ) ولكنه لم يوفق إلى تأليف أمة تدعو إليه وتقوم به . وإذا كان الرازي وشيخه يقولان في علماء القرن السابع والغزالي يقول في علماء القرن الخامس ما قالوا فما ذا نقول في أكثر علماء زماننا وهم يعترفون بما نعرفه من