الشيخ محمد رشيد رضا

47

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال : ثم إن كون القائمين بالأمر والنهى أمة يستلزم أن يكون لها رياسة تدبرها لأن أمر الجماعة بغير رياسة يكون مختلا معتلا . فكل كون لا رياسة فيه فاسد فالرأس هو مركز تدبير البدن وتصريف الأعضاء في أعمالها . وكذلك يكون رئيس هذه الأمة مصدر النظام وتوزيع الأعمال على العاملين ، فمنهم من يوجهون إلى دعوة غير المسلمين إلى الاسلام ومنهم من يوجهون إلى إرشاد المسلمين في بلادهم ، ومقام الرياسة يختار . بالمشاورة لكل عمل ولكل بلاد من يكونون أكفاء للقيام بالواجب فيها لتكون أعمالهم مؤدية إلى مقصد الأمة العام . فان من معنى الأمة أن يكون للأفراد الذين تتكون منهم وحدة في القصد من أعمالهم وسيرهم فإذا اختلفت المقاصد فسد العمل باختلاف الآراء وتنكيث القوى ، ولذلك جاء بعد هذه الآية النهى عن التفرق والاختلاف . قال : ثم إن كون الأمة الخاصة منتخبة من الأمة العامة يقتضى أن تكون للعامة رقابة وسيطرة على الخاصة تحاسبها على تفريطها ولا تعيد انتخاب من يقصر في عمله لمثله . فالأمة الصغرى المنتخبةبفتح الخاء ) تكون مسيطرة على أفراد الأمة الكبرى المنتخبةبكسر الخاء ) وهذه تكون مسيطرة على الأمة الصغرى وبهذا يكون المسلمون في تكافل وتضامن . بعد أن أمر اللّه سبحانه وتعالى بأن تكون منا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وبين أن أولئك هم المفلحون دون سواهم لأنهم هم الذين يقيمون الدين ويحفظون سياجه وبهم تتحقق الوحدة المقصودة منه - نهانا عن التفرق والاختلاف الذي يذهب بتلك الوحدة ويتعذر معه القيام بتلك الدعوة الصالحة فقال عز من قائل ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) وهم أهل الكتاب ، تفرقوا في الدين وكانوا شيعا كل شيعة تذهب مذهبا يخالف مذهب الأخرى وصار كل ينصر مذهبه ويدعو إليه ويخطئ ما سواه حتى تعادو واقتتلوا على ذلك‌راجع تفسير « 2 : 253 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ » في ص 7 ج 2 من التفسير ) ولو كانوا أمة أو كان فيهم أمة