الشيخ محمد رشيد رضا
469
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذي وضعت لأجله ، ومن رضع من امرأة كان بعض بدنه جزءا منها لأنه تكوّن من لبنها فصارت في هذا كأمه التي ولدته وصار أولادها اخوة له لأن لتكوين أبدانهم أصلا واحدا هو ذلك اللبن ، وهذا المعنى لا يظهر في أولاد زوجها من امرأة أخرى إلا من بعد ، بأن يقال إن هذا الرجل الذي كان بلقاحه سببا لتكون اللبن في المرأتين قد صار أصلا لأولادهما إذ في كل واحد منهما جزء من لقاحه تناوله مع اللبن فاشتركا في سبب اللبن أو في هذا الجزء من اللبن الذي تكون بعض بينهما منه فكانا أخوين لا يحل أحدهما للآخر إذا كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى . ولهذا المعنى قلنا فيما سبق إن حرمة الرضاعة تدل على حرمة بنت الزنا على والدها بالأولى وقد روى عن بعض الصحابة والتابعين عدم التحريم من جهة زوج المرضعة دونها . فقد صح عن أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعه ان أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام . قالت زينب وكان الزبير يدخل على وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي ويقول : أقبلي على فحدثينى ، أرى أنه أبى وما ولد منه فهم اخوتى ، ثم إن عبد اللّه بن الزبير أرسل إلى يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقلت لرسوله وهل تحل له ، وانما هي ابنة أخته ؟ فقال عبد اللّه : انما أردت بهذا المنع من قبلك أما ما ولدت أسماء فهم اخوتك وما كان من غيرها فليسوا لك باخوة فارسلى فاسألى عن هذا . فأرسلت فسألت وأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم متوافرون فقالوا لها ان الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا . فانكحها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها ، قالوا ولم ينكر ذلك الصحابة رضى اللّه عنهم . وروى القول بهذا أي بأن الرضاعة من جهة المرأة لا من جهة الرجل عن الزبير وعن الصحابة وعن بعض علماء التابعين منهم سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وأبو قلابة فالمسألة لم تكن اجماعية . وقد حمل الجمهور قول المخالفين في ذلك على عدم وصول السنة الصحيحة إليهم فيه أو على تأويل ما وصل إليهم لقيام ما يعارض حمله على ظاهره عندهم ، ويقال على الأول إن من حفظ حجة على من لم يحفظ وعلى