الشيخ محمد رشيد رضا
444
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الجهالة التي تحدث الرعونة في الإرادة ، فيقع في الذنب ثم يثوب اليه علمه فيؤثر في نفسه فيتوب . ورجل وقع في الذنب وهو لا يعلم أنه محرم ؛ ولكنه على جهله ببعض أمور الدين ليس راضيا بجهله ، ولا مهملا لأمر دينه ، بل هو يبحث ويسأل ويتعلم فلا يطول عليه الأمد حتى يعلم أن ما كان ألم به محرم فيتوب منه حالا . فكل من هذين يصدق عليه أنه تاب من قريب . فالقرب ليس له حد محدود وانما هو أمر نسبى فمن أصر على عمل السوء زمنا طويلا لجهله بأنه معصية محرمة ثم علم فتاب ، فلا شك أن اللّه تعالى يقبل توبته وقد يصدق عليه أنه تاب من قريب بالنسبة إلى زمن العلم ، ثم ذكر شيئا من كلام الغزالي في حقيقة التوبة وأركانها أقول : إن ههنا شيئا يجب تدبره وهو الفرق بين من يعمل السوء وهو لا يعلم أنه سوء محرم عليه ومن يعمله عالما بذلك ، فالأول لا تتدنس نفسه بالعمل وان طال عليه الزمن ؛ أي لا يكون ذلك العمل مجرئا لها على المعاصي موطنا لها على الشرور فإذا علم بعد ذلك أن عمله من السوء من حيث إنه ضار له أو لغيره أو من حيث إنه محرم عليه دينا وان لم يعرف سبب تحريمه فإنه لا يعسر عليه غالبا أن يرجع عنه حالا وان كان قد ألفه فإنه ما ألفه الا من حيث إنه حسن في نظره فملكة اختيار الحسن وايثاره على السىء تكون هي الغالبة عليه المصرفة لإرادته فلذلك يسهل عليه الرجوع من قريب متى جاء العلم الصحيح كما سهل على السابقين الأولين من الصحابةرض ) أن يكونوا في الذروة العليا من الفضائل والفواضل وعمل الخير والتنزه عن الشر على نشوئهم في الوثنية وعادات الجاهلية . فإنهم كانوا على ذلك ذوى سلامة في الفطرة وحب للخير وبغض للشر وما كان ينقصهم الا العلم الصحيح بحقيقة الحسن والقبيح وكنه الخير والشر ، فلما جاءهم الاسلام سارعوا اليه وكانوا أكمل الناس به ؛ ولكن بعض المفسرين ينازع في كون من يعمل السوء جاهلا أنه سوء مرادا من الآية ويرى أن رجوعه عما كان عمله قبل العلم بكونه سوءا لا يسمى توبة . وقد أشار إلى ذلك الأستاذ الامام بقوله « والتعبير بالسوء » الخ ولكنه مع ذلك اختاركون لفظ الجهالة عاما يشمل عدم العلم بحرمته كما تقدم وأما من يعمل السوء وهو يعتقد أنه سوء ويصر على المعصية وهو يعلم أنها